" …. لا تنبض مرتين "
.
قصة قصيرة
.
يومها كانت السعادة بلا حدود .. والفرح لا يكف عن التحليق فى سماء الغلام .. كان يهرول عائداً الى البيت تسبقه أحلامه الجميلة كفراشات الربيع .. لقد تجاوز المرحلة الإعدادية بتفوق .. لم يكن مصدر سعادته العارمة نصاعة " الباجيله " وخلوها من الدوائر الحمراء .. لا بل ولا حتى التفوق فى حد ذاته .. لب الحكاية يقول أن مدرسة القرية تقف عند هذا الحد .. وكان موعوداً بالإنتقال للعيش فى " المدينة " لإتمام المرحلة الثانوية ومواصلة مسيرته نحو جامعة " قاريونس " … إن هو نجح .
ها هو يتجاوز القنطرة .. ويستشرف غد المدينة الموعود .
* * * *
نظر من شباك غرفته " ببيت الطلبة " .. وقال مخاطباً صديقه المستلقي على السرير المقابل :
ـ الأيام هنا تمر بسرعة البرق .. وتبدو متشابهة جداً .. لم أشأ أن تكون المدينة على هذا النحو الممل ! .
ـ متشابهة ؟!.. هذا ما يبدو لك لأن قلبك لا ينبض يا عزيزي .. قال صاحبه الذي يشاركه الغرفة رقم (8) فى القسم الداخلي وهو يقلب بين أنامله قصاصات معطرة .
ـ قلب ينبض .. (هههه ) القلوب تنبض مرة واحدة .. ولغاية واحدة يا صديقي .
تحرك ببطئ الى أن وقف أمام المرآة متأملاً وجهه فيها .. وأضاف :
ـ أنا أعيش هادئ البال .. قانعاً بحياتي .. مطمئناً آمناً .. لا يكدر صفوي شيء .. أنظر من ثقب الدنيا الى أولئك الذين يسلمون قياد قلوبهم بسلاسة .. ثم يبحثون عن إسترجاعها بشق الأنفس .. أنا يا عزيزي .. أعيش بقلبي ولا أعيش لقلبي .. ويكفني عشقي " لفرزوغة " .
ردد عبارته الأخيرة بشكل ملحون وهو يقهقه .
سحب رفيقه الغطاء على وجهه .. ونظر اليه بعين ساخرة وقال :
ـ طيب معناها تصبح على " فرزوغة " ! .
* * * *
الأيام تمر بسرعة البرق ..
هكذا كان يطيب " لرحيل " وصفها والتذمر منها .
وها هي قد تضخمت فصارت شهوراً .. ثم إبتلعت المزيد من شروق الشمس ومغيبها فغدت سنيناً .. وهو على ذات الحال .. ينسج على ذات المنوال .. ويقدس ذات الأعمال .. ويعمل على تعميق فلسفته للحياة بشكل مستمر .. كما لو أنه يخشى إن تنزلق منه على حين غفلة نحو غابة القلوب النازفة .
ينظر الى عيون العشاق الواجمة ..
يستمع الى عباراتهم الشاكية ..
ويقرأ أخبارهم المترعة بالألم ..
ثم يتفقد قلبه ويشكر الله أنه ينبض من أجل ضخ الدماء فى شرايينه كي يبعث الدفء والحيوية فى جسده المسئول عنه ..
ثم يعود ليحمد مرة أخرى على أن حدود مسئوليات قلبه لا تتعدى أخمص قدمه .
كانت ساعة ظهيرة ..
الجو تخنقه قبضة الصيف الصارمة ..
الشمس تضاعف من توقدها ..
والناس تكاد تفر من جلودها ..
تناول الكأس وتجرع ما فيه من ماء بارد .. وإتجه بتثاقل نحو نافذة الغرفة وفتحها بحثاً عن نسمة هواء علها تشعره بأن هذا السعير قابل للتسكين .
لمح " حامد " بوادر القلق البادية على وجه " رحيل " .. فأغلق كتاباً كان يتصفحه وإتجه إليه بالخطاب :
ـ عزيزي ما رأيك فى جولة على صالة الكلية .. فثمة إعداد لموسم المسرح الجامعي .. يعني .. علّنا نفوز هناك ببعض لفحات " المكيف " المباركة .
راقت له الفكرة ..
فإنتعل حذاءه ..
وتأبط صاحبه ..
ويمم وجهه شطر صالة الألعاب الرياضية .
كانت المسافة الفاصلة بين الغرفة والصالة كافية لجعله يصيح :
ـ " لقد وصلنا الجنة " .
فما إن ولج باب الصالة حتى أحس ببرودة الجو تلامس جسده الملتهب .. وتخترق صدره الذي كاد سعير الغرفة أن يحيله الى فرن متقد .
تنحى وصديقه جانباً .. وإنطلقا فى أحاديث متشعبة .
كانت عينه ترقب مجموعة مختلطة من الطلبة والطالبات تؤدي " بروفات " عن مسرحية تزمع الجامعة المشاركة بها فى المهرجان الوطني .
شدته أغنية كانت المجموعة تؤديها بشكل جماعي .. فإقترب .
كانت هي تقف وسط المجموعة .. سمراء .. متوسطة الطول .. ذات شعر قصير .. وعيون مستديرة .. تتفجر حيوية .. وتشع أنوثة .
عند لحظة ما فقد إتصاله بمصدر الأغنية تماماً .. وتحول تركيزه الى شيء ما هناك … حدث هذا لبرهة قبل أن يعود الى إستيعاب ما يجري حوله .
عاد الى الغرفة ..
هذه المرة وجد نفسه أمام حسابات غير تلك التى كانت تمنحه طمأنينة الناسك .. وبراءة الأطفال .
لقد صار لديه سؤالاً جديداً لم يتردد فى طرحه على صديقه بمجرد ما أن شعشع نور صباح إنتظر إنبلاجه بلهفة لم يعتدها .
ـ حامد .. هل ثمة " بروفات " فى صالة الجامعة اليوم ايضا ؟!.
ـ لا أدري .. عموماً جدولي مزحوم هذا اليوم .. فحتى لو وجدت " بروفات " فلن أستطيع الذهاب الى هناك .. قال وهو يجفف شعره أمام المرآة .
ـ أعتقد أنه من الجيد لهم أن يستمروا فى " البروفات " من أجل إنجاز المسرحية بشكل مرضٍ .. اليس كذلك ؟!.. تساءل " رحيل " وهو يرقب الشارع من وراء الزجاج .
ـ عزيزي أنا لست مخرجاً ولا منتجاً .. وفى أحسن الأحوال سأحجز مقعداً فى مؤخرة المسرح من أجل التصفيق فى البداية والنهاية .. وأملي أن تفوز جامعتنا فهذا سيكون تذكاراً رائعاً لدفعتنا .
وأضاف " حامد " وهو يهم بمغادرة الغرفة :
ـ رغم أني لست متفائلا كفاية يا سي رحيل .
ـ ستنجح .. هل تراهن على ذلك ؟! .. قال " رحيل " بحماسة مبالغ فيها .
ـ أراهن .
* * * *
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ