" الأب والإبن.. والطائرة التى اسقطت "
الصحفية / ارئيلاه ريندل هوفمان
"بعد 35 عاما من اسقاط الطائرة فى سيناء، نجل وزير الخارجية الليبى يطلب اجابات من اسرائيل"

كان محمد بويصير فى العشرين من عمره ، طالبا شابا فى الجامعة ، عندما أسقطت إسرائيل طائرة الركاب الليبية بالقرب من "رفيديم" بصحراء سيناء ، فى 21 فبراير 1973، بعد مذبحة الرياضيين الاسرائيليين الـ11 فى ميونخ بستة أشهر ، وقبل اندلاع حرب يوم الغفران بثمانية أشهر ، كنقطة فارقة اخرى فى القصة الدامية التى لم تنتهى .
113 شخصا كانوا على متن الطائرة ، ولم ينج منهم سوى خمسة فقط ، ولم يكن "صالح مسعود بويصير" وزير الخارجية الليبى سابقا ، والمستشار الخاص للرئيس القذافى ، والصديق الشخصى لياسر عرفات بين الناجين ، ومنذ 35 عاما و إبنه محمد بويصير يحاول أن يعرف بالضبط حقيقة ما حدث لوالده ، لدرجة أن بويصير تقدم بالأمس بطلب للمستشار القضائى للحكومة "مانى مازوز" يطالبه فيه بفتح ملف الحادث من جديد و إزالة التراب من فوق الملفات الخاصة بالحادث وإخباره "فى النهاية" بحقيقة ما حدث هناك ، "الحادث المأساوى الذى إحترق فيه والد موكلى " كتب المحامى البروفيسور كينيث مان الذى يمثل بويصير الابن " يبقى كجرح نازف ، ففى الواقع هو لم يحصل حتى الأن على تقرير كامل و مفصل من حكومة اسرائيل عما حدث لوالده".
إلا أنه وراء الصياغات الجافة و الملخصة التى لا تزيد عن ورقتين و نصف ، فى المذكرة التى تلقتها الحكومة الإسرائيلية ، تكمن ما يصفها بويصير بقصة حياته : سلسلة لا تنتهى من البحث المكثف وراء التفاصيل ، واللقاءات العلنية والسرية ، والطلبات الرسمية وشبه الرسمية ، ورفع الدعاوى القضائية ضد اسرائيل أمام المحاكم المصرية و الإسرائيلية ، والمكاتبات ، والتجوال فى كل أنحاء الأرض ، مستعينا بكل القطع والاجزاء التى تبقت عما إحترق ذلك اليوم ، ليكمل الصورة بطريقة تتسق مع المنطق ، كما أخذ بصفة خاصة ، يصنف و يغربل جبل الشائعات الذى كبر و تضخم كما العجين الذى خرج عن السيطرة .
وعلى الرغم من وجود كل الأسباب التى قد تدعوا بويصير لآن يضع الموضوع جانبا ، حيث يدير عمله بنجاح كمهندس بترول فى الولايات المتحدة الأمريكية كما أنه متزوج وأب ومعظم أفراد عائلته يعيشون معه ، إلا أنه لم يفعل ، سألته : الم يحن الوقت لترك الموضوع جانبا ؟ . فأجابنى " لا ، أنا لا أريد الإنتقام ، ولكننى أريد أن أعرف الحقيقة ، أريد أن أعرف ما إذا كان والدي هو المستهدف ، أم أنه لسوء حظه ، تواجد فى المكان غير المناسب فى الوقت غير المناسب ؟! ".
" فرقعة رهيبة "
ركب صالح مسعود بويصير طائرة الخطوط الجوية الليبية من طرابلس فى رحلتها رقم 114 المتجهة الى القاهرة عبر بنغازى ، لكنه كان من بين الركاب ال108 الذين لم يصلوا ابدا الى غايتهم . عشية سفره ودع الأب إبنه الذى قال له أنه فى طريقه الى بيروت وسيتوقف فى القاهرة لرؤية إبنته التى تدرس هناك ، وفى بيروت كان من المفترض أن يكون المتحدث الرئيسى فى مؤتمر لإحياء ذكرى الوحدة بين مصر و سوريا وأن يبقى هناك ليوم واحد و يعود .
يقول بويصير الإبن " فى صباح اليوم التالى ، وقبل السادسة بقليل ، دخل علي مرة أخرى ، وجدنى منكبا على كتبى إستعدادا للإمتحان ، قال :هذا يكفى ، وجرني لأتناول الفطور معه .. التفاصيل الصغيرة مع الوقت يكون لها معنى .. أمى التى كان من المفروض أن تسافر معه على نفس الرحلة ، ولكنها لم تفعل ، كانت منزعجة للغاية ، لانه قبل عدة أيام ، شوهد أجانب ذو ملامح أوروبية يقومون يتصوير منزلنا ".
"خذ حذرك .. كررتها أمى عدة مرات ، أجاب.. كل شىء سيكون على ما يرام ، وأنه سيعود السبت ، وسألنا إن كنا نريد شيئا " . وخرج لتكون أخر مرة نراه فيها . كان ذلك فى يوم الاريعاء ـ فى الساعة 12:40 أقلعت الطائرة من بنغازى الى القاهرة التى كان من المفترض أن تهبط فيها الساعة 14:00 ، رحلة قصيرة و مباشرة لا تحمل فى طياتها أى مخاطر ، عند الساعة 13:12 إجتازت الطائرة الحدود و دخلت الأجواء المصرية ، تم تسجيل محادثة مع الطيار الفرنسى جاك بورجى عند الساعة 13:45 تقريبا إكتشف بورجى أنه غير متواجد بالمكان المفترض أن يتواجد به . "عجيب هذا الأمر" قال لمساعده الليبى ، وفى الساعة 13:52 وهو الوقت المفترض أن يبدأ فى الهبوط إتضح أنه لم ينجح فى الوصول الى مكانه الصحيح ، وفى الدقائق التى تلت ذلك ، كما تكشف تسجيلات الصندوق الأسود ، حاول رجال طاقم البوينج الثلاثة معرفة مكان تواجدهم على وجه الدقة ، قال الكابتن " هناك خشخشة و صوت فرقعة " ، بعد دقيقة أو دقيقتين ، سمع على شبكة الأتصال صوت مراقب برج القاهرة يقول"اقترب من ممر الهبوط23 " ، وبعد لحظات أضاف فى ذهول "مكانك اختفى ، مكانك اختفى".
عندها كانت الطائرة على مسافة حوالى 200 كيلومتر شرق القاهرة ، وهى نقطة مرصودة على شبكة الرادار الإسرائيلية ، 6 دقائق قبل أن تجتاز الحدود و تدخل المجال الجوى الإسرائيلى فوق سيناء، التى كانت تهب فيها عاصفة رملية ، كان رجال سلاح الطيران فى مطار"رفيديم"يجدون صعوبة فى الرؤية لعدة أمتار أمامهم ،" ي" قائد سرب الفانتوم الذى هبط فى سيناء فى إطار المناوبة ، إتصل بالقاعدة الأم للتأكد من أن أحدا لا يحلق بطائرته فى مثل هذا الجو السىء. وعندما أبلغ المراقب فى برج المراقبة عن وجود طائرة غريبة تهدد باختراق الأجواء من الجنوب الغربى، قام "ي" بالإتصال للتأكد من صحة البلاغ فالمصريون أيضا لا يحلقون بطائراتهم فى هذه الأجواء ، ولكن بعد عدة دقائق وفى تمام ال14:01 كانت الطائرة الليبية فى عمق 50 كيلومترا داخل عمق سيناء وطائرتا فانتوم حولها .
نقل" ي" الذى كان يقود الطائرة الأولى ، الى مقر قيادة السلاح الجوى تفاصيل الطائرة : بوينج727 رقم كذا " الطيران العربية الليبية " ، وبعد عشرين عاما من إسقاط الطائرة وفى مقابلة وحيدة اجراها مع "يديعوت احرونوت"..أخذ يستعيد الأمر الذى تلقاه : إجعلها تهبط بأي ثمن .. وأخذ يعدد الجهود التى بذلها كى يوضح للطيار مقصده ، كيف أنه حلق الى جواره بمحاذاة جسم البوينج و كيف أنه أشار اليه بالأبهام الى أسفل وكيف أنه حلق الى أمامه و لوح بالجناحين وأطلق النار على مقربة من جسم الطائرة.. قال أنه فعل كل ما يمكنه كى يوضح مقصده ، لكن "بورجى" و لسبب لن يعرف أبدا رفض الإستجابة لكل الإشارات.
"هل يمكنك القيام بذلك دون المساس بالركاب؟! . " سأل مراقب البرج "ي" فى الوقت الذي كانت فيه الطائرة تحاول العودة بإتجاه الغرب ، وهى على مسافة دقيقتين من الأجواء المصرية ، فرد"ي" بأنه سوف يحاول ، وبعد عشرين عاما إعترف بأن رده كان أحمقا، لأنه فى الواقع لم تكن هناك أي وسيلة لإجبار الطائرة على الهبوط بصورة تضمن سلامة الركاب فى مطار غير مجهز لاستقبال هذا النوع من الطائرات.
"ماهذا ؟!. هناك صواريخ تطلق علينا.." قال الطيار المساعد الليبى ، وبدأ الكابتن مرتبكا خائفا "شاهدت عدة صواريخ هنا " . وتظهر فى الصندوق الأسود أصوات وهدير الطائرات ، "سيدى، لقد بدأوا إطلاق النار فى إتجاهنا" قال مهندس الطيران ، الكابتن وفى إتصال مع برج القاهرة الذى سبق و أن أبلغه أنه يشاهد طائرات "ميج".." طائراتكم تطلق النار علينا " ومراقب القاهرة يحاول تهدئته بالقول "لقد ابلغنا طائرات الميج انكم طائرة ضلت طريقها" ، وكان واضحا انه ليس لديه فكرة عن مكان وجود الطائرة.
كما باءت المحاولة الاخيرة التى قام بها "بورجى"بالفشل عندما حاول الهبوط اضطراريا فى السهل القريب من "ريفيديم"، كانت محاولة بلا أمل، فطائرات الفانتوم كانت قد اطلقت ص















































