-( لا يكفي أن تكون فى  النور كي ترى .. بل ينبغي أن يكون فى النور ما تراه ... العقاد )-  


Angeel

ديسمبر 24th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب, مقالات ثقافية

" قراءة فى إنجيل الأغنية الليبية "

جولة فى كتاب " مدخل الى المقام الليبي ـ دراسة فى الأغنية الشعبية "

للأستاذ : السنوسي محمد

رفقة الأســـــــــــــــــــــاتذة   محمـــــود الناكــــــــــــــوع  … و الســـــــــــــنوسي محمد

رغم حالات الإحلال والإبدال التى طالت ـ وتطال ـ كافة متعلقاتي الفكرية والوجدانية .. إلا أن عشقي للتراث لازال على حاله ولم ينل منه مشوار الغربة وما إستجد فيه .. فلو خيّرت بين صالون سياسي بمواصفات ما تجود به هذه الأيام العجاف .. وبين صالون ثقافي يتحدث فيه " الحاج " السنوسي محمد فسأختار الثاني بلا تردد .. فكيف إذا كانت الجلسة فى " مربوعة " صديقي العزيز عوض الفيتوري العامرة دوماً " بالأجواد " .. والشاهدة على أمسيات وحوارات قل نظيرها .. وكيف إذا كان الباحث والراوي القدير عبدالعزيز السوّادي ضيف شرف فيها .. وهذا بالفعل ما حدث .. يومها  دار حديث عن التراث الشعبي .. وسمعنا من عيون الشعر ما جادت به قريحة السوّادي الثملة شعراً على الدوام .. ويومها أهداني " الحاج " كتابه المعنون بـ " مدخل الى المقام الليبي ـ دراسة فى الأغنية الشعبية " .

منذ أول خطوات معرفتي " بالحاج" [ كما نحب أن نناديه هنا ببريطانيا ] وعيت مدى ولعه بالتراث .. رواية .. وجمعاً.. وبحثاً .. وأخيراً تدويناً .. ورغم أنه حدد علاقته بجمع التراث بحوالي [36] عاماً .. إلا أن الباحث عبدالعزيز السوّادي أكد لنا ـ ليلتها ـ بأن ذلك جاء كتحوط من " الحاج " .. وأنه شخصياً يعلم بأن " السنوسي "  ينزع الى ذلك منذ أكثر من أربعين عاماً .. وقد أشار الى ذلك فى مقالة له حول الدراسة .

وككل جلسة تجمعني بالحاج ـ ولو كانت عابرة ـ يكون التراث حاضراً وله نصيب منها .. فهو ليس باحث بالمفهوم التقليدي للبحث .. بل هو عاشق للتراث .. ومغرم بالأغنية الليبية .. وصديق صدوق لصديقها .. وأستاذ فى هذا الفن .. وما رمى به ساحة التراث ليس مجرد دراسة عابرة بل هو " إنجيل " الأغنية الشعبية .. فقصة جمع الأوزان أو المقام الليبي كانت أمنية الفنان علي الشعالية .. وبشارة الدكتور على الساحلي .. وتماهيد الدكتور سعيد القشاط .. ولكن تشاء الأقدار أن يكون رسولها إلينا الأستاذ السنوسي محمد .

وكما إستوقف " السوّادي " تحوط " الحاج " فى التاريخ الدقيق لبداية جمعه للتراث .. فقد إستوقفي تلطفه فى عبارة وردت فى الصفحة الثامنة .. تشير الى أن  قصة تجذيّر وتوثيق مادة البحث هدف غير مباشر .. غير أن ما بين أيدينا يشير الى نجاح البحث والباحث فى جعل التوثيق للمقام الليبي هدف رئيس ومُبرّز في الدراسة كما سنرى .

عوداً الى الكتاب نجده يقع فى [367 ] صفحة من القطع الكبير .. وهو من منشورات " المركز العربي الدولي للإعلام ـ القاهرة ـ لندن ".. إيداع رقم 16810 لسنة 2007م .. إحتضنه غلاف ورقي رسمت عليه " نوتة " موسيقية .. واحدة فى أعلى الصفحة وأخرى فى أسفلها.. وبما أن الغلاف فكرة وإعداد الباحث عبدالعزيز السوّادي فقد إنتهزت مناسبة وجوده معنا يومها .. وسألته عن شفرة ما قد يراه القارئ  على الغلاف .. ففك شفرة النوتة العلوية على أنها أغنية :

" يا مولى الجنحان الطاير .. خوذ أماير .. خبّر لاولاف بما ساير "

أما التى وردت فى أسفل صفحة الغلاف فكانت عبارة عن نوتة الأغنية الشعبية الشهيرة :

" الغالي دار سوايا وباعدنـّا .. نبيكن يا أنظاري تدركنـّه "

 والجديد فى هذا السياق هو ما صرح به الأستاذ السنوسي فى ذات الجلسة بأن للكتاب أجزاء أخرى ستصدر قريباً .

مدخــــل :

عموماً قسّم الباحث كتابه الى أحد عشر باباً .. سبقتها صفحات " الإهداء " والذى توجه به بكل حميمية الى " محبي الفن الغنائي الليبي الأصيل " .. ثم صفحتان حول " قواعد عامة لكتابة النصوص العامية " .. ثم ثلاثة صفحات تحت عنوان " لمحة عامة " إحتوت على سبب وهدف الدراسة ومنهجيتها ومصادرها .. ثم مقدمة فى صفحتين .. ثم " تمهيد " فى صفحتين .. ثم ثلاثة صفحات تحت عنوان " هذه الدراسة " قبل أن يدخل الى أبواب الكتاب التى جاءت كالتالي :

الباب الأول [ ص 19 الى ص 22] وجاء معنوناً بـ " تعريف المقام " :

وأورد الباحث جملة من التعريفات عن المقام الليبي .. أجملها فى أنه ( .. أصول الأوزان التى تم غناؤها فى إطار التراث الوطني الغنائي ـ الموسيقي والشعري ـ بإيقاعاتها وأنغامها المختلفة .. وبمعنى أخر أيضاً فإن المقام هو الوزن  " العروض " الشعري المحكوم بأداء " لحني " معين ).. وأشار الى أنه يندرج تحت المقام الليبي شتى الفروع التى يطلق على كل منها لفظ مقام  مقرونة بإسم أو نوع المقام الفرع .. وذكر على سبيل المثال .. مقام ضم قشة من المقام الليبي .. ومقام بروّل من المقام الليبي … الخ .. كما أشار الباحث الى أن بعض المقامات تحمل أسماء خاصة بها أحياناً مثل مقام " السحلالي " .. وبعضها ينسب الى مناطقه كمقام " الفزاني ".. وختم بالإشارة الى أن بعض المقامات ( .. تعود الى تسميات مماثلة لتسميات أوزانها الشعرية  ) .

الباب الثاني [ ص23 الى ص 30 ] وجاء معنوناً بـ " عن نشأة المقام وكيفية أداءه " :

بعد أن حذر الباحث من خطأ الإنزلاق فى تحديد تاريخ بدء الغناء .. وقرر أنه ( ولد مصاحباً لوجود الإنسان فوق الأرض ، فهو ـ أي الإنسان ـ يغني بطبعه فى شتى الظروف تعبيراً عن أنفعالاته .. السعادة أو الحزن ) .. يعود ليقرر بأنه من المحتمل أن يكون زمن بداية " القصيدة المُغنى " حوالي القرن الثاني للميلادي .. مع نزوح بعض القبائل العربية الى شمال أفريقيا .. ثم يدخل الباحث فى حالة حوارية رائعة حول نشأة المقام الليبي مع أراء الأستاذ محمد المرزوقي .. والاستاذ سعيد القشاط .. والباحث التونسي عثمان الكعاك .. والأستاذ بشير عريبي .. وصولاً لمشاهدات المستشرقين  .. كشهادة " مابل لومس تود " عن طرابلس سنة 1900 م .

الباب الثالث [ ص 31 الى ص 35 ] وجاء معنوناً بـ " قالوا عن الأغنية الشعبية " :

فى هذا الباب إعتمد الباحث عن ما أورده الأستاذ مهدي حمودي الأنصاري فى مقالة له نشرت بمجلة " التراث الشعبي " تحت عنوان " غناء الأعراس فى الكاظمية " .. حيث نقل بعض أقوال المهتمين والدارسين للأغنية الشعبية .. فأورد تعريف " ألكسندر كراب " للأغنية الشعبية بأنها : (  قصيدة شعرية ملحنة مجهولة الأصل ، كانت تشيع بين الأميين والأزمنة الماضية ، وما تزال حية فى الإستعمال ) .

أما " هانزمورز " فيصف الأغنية الشعبية بأنها : ( الأغنية التى قام الشعب بتعديلها وفق رغبته بعد أن أصبح يمتلكها إمتلاكاً تاماً ) . كما أورد تعريفات لـ" بوليكافسكي " و " جورج هرتسوج " و " رتشارد فايس "  و " د. عبدالله السباعي " .وختم بضوابط ومحددات للتعاريف وضعها الدكتور أحمد موسى .

الباب الرابع [ص 37 الى 41]وجاء منعوناً بـ "لمحة موجزة عن تاريخ الأغنية الشعبية الليبية ":

بعد أن قرر الباحث بأن الشعر الشعبي أو العامي .. جزءاً من النتاج الأدبي .. أكد على أنه يمثل النبع الذى تستمد منه الأغنية الشعبية حياتها .. وإليه يعود الحفاظ عليها .. وإرتكازاً على هذه المقدمة يقول الباحث : ( وقياساً على ذلك ، فإنه ليس ببعيد إذن أن تكون الأغنية الشعبية الليبية ، المجال الحيوي للمقام ) .. وختم الباب بلمحة من الدكتور عبدالله السباعي ( يرى فيها أن الأغنية الشعبية الليبية قد تأثرت فى بداياتها بمؤثرين فنيين هامين : أولاً المؤثر الأفريقي(…..) والثاني تركي ..  ) .. ويذهب الى التقليل من حجم التأثير التركي لإنعدام الود والقبول ما بين الأتراك وبقية السكان . 

الباب الخامس [ ص 43 الى ص 49] وجاء معنوناً بـ " ملامح الأغنية الشعبية الليبية " :

وهنا يرى الباحث أن الأغنية الشعبية الليبية وإن صيغت باللهجة العامية إلا أنها ظلت فى عمومها قريبة الى رسم ومعنى ونطق كلمات اللغة الفصحى .. ويستعين الباحث بكلمات للدكتورة " حصة الرفاعي " تحاول فيها عدم الربط بين اللهجة العامية وبين مسمى التراث .. وتشير الى ما يمكن أن ينطبق عليه وصف التراث وكتب بالفصيح .. وعرّج للتذكير بخلو الأغنية الشعبية الليبية من قصائد الفصحى .. والغناء المسرحي .. والمنولوج .. ثم أكد أنها ـ أي الأغنية الشعبية ـ قد ( .. حافظت على تركيبة أوزانها الرئيسة من خلال أجزاء الزمن الموسيقي على النحو التالي : طويل ـ الأغنية ـ  .. متوسط ـ الأغنية الوسط ـ .. القصير ـ البروّل .. ) .. ثم فى مقطع لاحق يحدد الباحث تاريخ تحدد وتشكل الغناء بصورته المعروفة اليوم بثلاثينيات القرن الماضي .. وختم بالحديث عن تأثر ملامح الأغنية الشعبية بالعامل الجغرافي وقسمها الى غناء البادية .. وغناء اللثامة .. وغناء البلاد ( وسط بنغازي ) .. وغناء زلة .

الباب السادس [ ص 51 الى ص 77] وجاء معنوناً بـ " مكونات المقام الليبي " :

بعد أن أكد الباحث على تكون المقام الليبي من عدة أوزان شعرية .. تنضوي تحتها تفريعات مختلفة .. أورد بعض الأمثلة .. مع شروحات وتعريفات لها ..  منها : ( وزن ضمّ قشة / الملالاه .. ووزن الشتاوة .. ووزن  البِروّل .. ووزن الطق أو الطقيرة .. ووزن المجرودة ..  ووزن العَلَمْ  .. ووزن المّوال أو أغاني الرحى .. ووزن وسط .. ووزن وسط مقطوف .. ووزن مقطوف رباعي .. ووزن مرزقاوي .. ووزن  الغيطة ..) .. وحمّل الباحث كل عنوان من عناوين الأوزان السابقة بالإضافة الى شروح عنها أغاني وأهازيج تمثله .

فتحت وزن " البرول " مثلا نجد عدة أمثلة منها :

عليّ كيف خطم من هنا …. زول السجية العصرانه

بزويلـــــــــــــــــــــــه …. ولابس خراص

المزيد


Aldakirah2

سبتمبر 19th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" شيء من الذاكرة الشعبية "

الجزء الثاني

 

بعد فترة من العصف الذهني فى حقل ـ ساسة وأخواتها ـ  وجدتني أقنع  نفسي بضرورة الوقوف فى أحد محطات إزالة التوتر  الذى عادة ما تخلفه  المادة السياسية الجافة ، فقلت لماذا لا أستفيد من حيل الأطباء ـ وللأطباء حيل ! ـ ومنها أنهم  يعمدون الى  تغليف  الأدوية  ذات المذاق المر  بطبقة من النشا المُحلى ليسهل بلعها، فأخترت لهذه المحطة  شيئاً  من  مخزون الذاكرة  الشعبية عله ينجح فى أن يكون بمثابة الطبقة التى تغلف مّر و قسوة الأجواء التى  تخلفها كثرة الكلام فى السياسة .

والكلام فى السياسة  بدوره  يدخل تحت  قائمة الأشياء  التى توصف بأنها شر لا بد منه كمجاملة ضيف ثقيل الظل ، والذهاب الى عيادة الأسنان ، و دفع  فاتورة التليفون !! .

  

حكايتي مع الشاهي : 

فى الحقيقة العبد لله  من محبي الشاهي " الأخضر " .. ومن المدافعين عنه بقوة .. ولعل من أسباب تلك الحماسة  كوني  كنت  أيام  الطفولة  "  بركاوي "  المنزع .."  نصراوي "  الهوى .. مما  جعل  للون الأخضر جاذبيته الخاصة عندي ـ أعترف أنها تلاشت بفعل الإعلام الثوري ـ ..

هات اسقني ، روحي فذاك الأخضر      شايا  كساه  الماء  لونا أخضر

ا

كالخمر فى جلب السرور ولك يكن    كالخمر مراً أو حراماً مســــــــكرا

شتان  بين  الشيء   تفعله    شاكرا       والشيء   تفعل   خائفا  متسترا

فاشرب  جهارا   من  حلال  طيب       من  ذاقه  شكر  الاله  و كبرا 2

على أي حال عندما قذفت بنا رياح التغيير الى بريطانيا.. وجد الكثير منا نفسه مجبرا على قبول التغيير الذى طرأ على قواعد شرب " الشاهي" التى كنا نظن أنها من الثوابت ، فأصبحنا نتعايش على مضض مع القواعد الجديدة .. حيث تم حذف " كانون الفحم " أو غاز " البرايمس " الصغير  والإستعاضة عنه بما يعرف بـ" الكتل" إياه ( السخان الكهربائي ).. وتم إستبدال الشاهي السيلاني الأخضر.. بشاهي كيس .. أو الشاهي المكفن .. وتم  شطب  جميع مكونات " إعدالة الشاهي ".. والتى كانت تتكون من .. براد.. ولقامة .. وطواسي .. وسكريات.. وسُفرة لتقديم الشاهي .. وإناء  صغير لغسل  الطواسي .. فأصبحت اليوم  عبارة  عن  كوب  أنيق  مملوء  بماء  مغلي ..  يوضع أمامك  بمراسيم تشعرك بأنك ضيف غير مرغوب فيه !!. 

أما حكاية " السكر " فهذه قصة طويلة تلاحظها إذا كنت حديث عهد بالغربة.. ففى السابق كانت الحاجة ـ الله يمسيها بالخيرـ تقوم  بتجهيز الشاهي و تسقى  جميع الحضور ـ بما  فيهم مرضى السكري ! ـ من براد واحد و دون  عناء أو كثرة  كلام  ، ولعل السؤال  الوحيد  المقبول  خاصة  ممن  جاء متأخرا عن بداية الجلسة هو : هل هذا الدور الأول أم الثاني ! ؟ . 

 أما هنا فى بلاد الضباب " فالإتيكيت " يلزمك بعد إحضار الماء المغلي وأكياس الشاهي ـ المكفن ـ بأن تبدأ فى حملة لاستطلاع الرأي  وتسأل  كم معلقة سكر يا حضرة …….. ، فصدق أو لا تصدق  بأنك قد تسمع كل هذه المقادير .. ملقعة لو سمحت .. ونصف من فضلك .. ملعقتين إلا ربع بالله .. إثنين ونصف لو تكرمت .. ، ولعل أغربها ـ أو أغباها ـ هو سؤالك عن نوعية السكر الذى تستخدمه !!..

يعني إذا كنت تريد أن تكون  صادقا  أمينا دقيقا  مع  ضيوفك  فحتما  ستحتاج الى ميزان " الشطشاط " و خبرته لوضع كل تلك المقادير.

يرحم الله أيام كان الشاهي شاهي !!.. فلجلسات الشاهي فى بلادنا.. طقوسا.. وتقاليدا تجعل منها جلسات دافئة.. غنية .. ومفيدة للجسم .. والعقل معا.. ومراسيم تشعر الضيف بأنه محل ترحاب.

أما الذى نراه  هنا فى  بريطانيا ـ والكلام  موجه الى أصدقائي فى ليبيا ـ  فهو جلسات شاهي حذفت منه نقاط حرف الشين !! ..

وأهم ما في الذاكرة حول قعدة الشاهي هى طرفة كان يقولها أحد  أخوال والدي  عن زوجته التى كانت تطيل فى قعدة الشاهي فكان يقول : حاجتين ما يكملنش .. شاهي الحاجة .. وأغنيةأم كلثوم . 

 الشخصية الشعبية  :

لا شك بأن لكل منطقة من مناطق  بلادنا الحبيبة ليبيا  معالم  يحرص أهل المنطقة على أن يشاهدها أي زائر لمنطقتهم .. أو على الأقل أن يسمع حكايات عنها ..

ولعله من أبرز الأمور الشعبية التى يمكن أن تكون محور حديثك  مع  ضيفك الزائر لمدينة بنغازي هو سوق الظلام ليلة كبيرة العيد.. الفندق  البلدي  عند  الثانية عشر  ظهرا .. منارة سي  خريبيش فى ليالي الصيف .. الكورنيش مقابل المحكمة  عند الغروب.. كوبري  العرائس  عشية  يوم الخميس ..الشابي أو الكبترانية أيام الصيف.. حديقة 23 يوليو ليالي رمضان.. وحديقة أو جنينة الحيوانات ( البوسكو) حيث كانت  المكان  المفضل " للزرادي " أيام  العيد.. والذهاب  الى  الهواري  أيام  رمضان  لجلب " الميه الحلوة"..وقد يحدثوك عن نزه عين زيانة.. ورحلات صيد بودزيرة.. وجولات الربيع لجمع" القعمول" من المشاريع ..  وغير  ذلك.

ومهما أضفت الى  تلك القائمة فلن  تكتمل  عندك  الملامح  الشعبية لبنغازي  إذا لم يحدثك مضيفك عن الشخصيات  الشعبية التى  تدور حولها الكثير من القصص والنوادر ، مثل " حميده فاصوليا " صاحب أشهر سندوتش  فى  المدينة.. و" حسين  حيطة "  صاحب أسرع  نكته  فى  المدينة.. ولكليهما  حضور

لافت فى  الذاكرة  الشعبية  لمدينة  بنغازي .. رباية الذايح.. أو العاصية.. كما  يحلو  لصديقى هشام بن غلبون 3 أن يسميها. 

وقد أطلقت المدينة عدة قصص تؤرخ للكثير من الشخصيات الشعبية حتى وصل الأمر الى دائرة قريبة من

( بين الحقيقة والخيال 4) .. فكان الأولاد  يجلسون  و يتسامرون  على  ناصية  الشارع ( الشوكة ) ولا يخلو حديثهم  من  نوادر حيطة .. او خوارق مصطفى المكي  الكوروية  كثقبه  لبطن " شيته " بالكرة.. و تمزيقه  للشباك نادي  كذا .. وكرامات  الشيخ  النحلي ( الخرافية ) من  أنه طيّر فلان  و عالج علان الذي كان كسيحا  منذ  ثلاثين عاما .. و يتخيلون  صراعات  بين  فتوات الأحياء الشعبية كالصابري .. والبركة.. وسيدي  حسين .. والكيش .. وينسجون حولهم القصص  والروايات ببراءة  وعفوية ويقومون بتحريك أبطال تلك القصص من الشخصيات الشعبية وفق منطق " قالوا.. و سمعنا ".

وبالطبع فلا مكان للسؤال عن  الشهود أو الإثباتات لأن  ذلك  ليس من تقاليد  القصص  الشعبية لا قديما ولا حديثا 5.. 

المزيد


Aldakirah

سبتمبر 17th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" شيء من الذاكرة الشعبية "

الجزء الأول

 

بعد فترة من العصف الذهني فى حقل ـ ساسة وأخواتها ـ  وجدتني أقنع  نفسي بضرورة الوقوف فى أحد محطات إزالة التوتر  الذى عادة ما تخلفه  المادة السياسية الجافة ، فقلت لماذا لا أستفيد من حيل الأطباء ـ وللأطباء حيل ! ـ ومنها أنهم  يعمدون الى  تغليف  الأدوية  ذات المذاق المر  بطبقة من النشا المُحلى ليسهل بلعها، فأخترت لهذه المحطة  شيئاً  من  مخزون الذاكرة  الشعبية عله ينجح فى أن يكون بمثابة الطبقة التى تغلف مّر و قسوة الأجواء التى  تخلفها كثرة الكلام فى السياسة .

والكلام فى السياسة  بدوره  يدخل تحت  قائمة الأشياء  التى توصف بأنها شر لا بد منه كمجاملة ضيف ثقيل الظل ، والذهاب الى عيادة الأسنان ، و دفع  فاتورة التليفون !! . 

أفد طبعك المكدود بالهم راحة        براحٍ   و علـّله  بشئ  من  المزح

ولكن إذا أعطيته  ذاك  فليكن         بمقدار ما تعطي الطعام من الملح

 

 توطئة :

لتنشيط الذاكرة كنت ـ ولازلت ـ أحاول دائما أن أعصر محدثي ـ القادم حديثا من ليبيا ـ الى أخر قطرة ، أسأله عن الشوارع ، والمباني ، والناس ، والعادات والتقاليد ، وأجري مقارنة بين ما كان  وما يكون ، وكذلك أفعل عندما ألتقى  بشاب  من  مواليد هذه البلاد ، وفى  الحالتين أحاول دائماً وبصورة  قد تكون تعسفية أن أقارن بين جيلنا والأجيال الآخرى ، وكانت  ذخيرتي فى تلك المساجلات ما تختزنه الذاكرة من مشاهد ومواقف  مررت بها  أثناء  فترة  الطفولة  ومطلع الشباب ، ورغم  مرور سنين  طويلة إلا أن تلك المشاهد  لا تزال  غضة  طرية كأنها إبنة الأمس القريب .. ولا غرابة  فقد قال أحد الفلاسفة " داخل كل إنسان طفل لا  يموت " .. فلم أصدقه حتى أيقظني ذلك الطفل صباح هذا اليوم .  

آخر العنقود : 

وهي كلمة تعنى آخر مولود فى قائمة  مواليد الأسرة ، أستعيرها  من الذاكرة الشعبية  للتعبير عن كوننا قد نكون آخر جيل تمتع بفترة  طفولة  شعبية ـ إن  صح التعبير ـ أواسط  وخواتيم السبعينيات ، فأتصور أننا  آخر  من  لعب التصاوير .. و البطش .. وصنع  الطقيرة .. وخط  الكيكس .. وحفر الخوخرة  للعب الزغادي .. ولف الشخاشير للعبة العسكري .. وصنع السيارات من  بقايا  الأسلاك المعدنية .. واستخدم الفخ والمقلاع .. وطيّر الطائرات الورقية يدوية الصنع.. ولهث تحت أشعة شمس الصيف اللافحة وراء الزناحة.. وأقام دوريات جائزتها باكو حلقوم استـُخدمت فيها كورة عشرين .. ويقينا فإننا آخر جيل تعلق مشاغبوه بالكاليس أو الكارو .. و رسم أشقياؤه صورة القلب المثقوب على جدران المدارس .

ومن الممكن  جدا أن  نكون آخر جيل أضاء ـ بصورة  جماعية  رائعة ـ  ليالي  المولد  النبوي  الشريف " بالقناديل" سواء الورقية منها والتى  تستخدم  الشموع  لإضاءتها ، أوالمعدنية التى  تستخدم لإضاءتها البطاريات .. وقطع سكون تلك الليالي المباركة.. بإنشاد مقاطع من الأهازيج الشعبية ، والتى منها :

هضا قنديل وقنديل        يشعل فى ظلمات الليل

هضا قنديلك ياحوا        يشعل  مالبارح  لا توه

هضا قنديل  النبي         فاطمة    جابت   علي

 

وآخر جيل طاف فيه أبناء الحي الواحد ـ أولاد و بنات ـ على الأزقة و المحلات.. فى نهار" عاشورا " 

حاملين فى أيديهم صحونا .. وهم يصيحون فى وجه كل من يفتح لهم باب بيته :

 اللي ما تعطيش الفـــول     يصبح راجلها مهبول

وأللي ما تعطيش الحمص    يصبح راجلها يتلمس 

وبالطبع كانت  من  تحب زوجها تبادر بإخراج ما لديها من الفول أو الحمص المطبوخ  بالماء والملح .. أما اللواتي كن حانقات على أزواجهن فكن يقولن : إنشاء الله .. ويقفلن الباب !! .

وأتصور أننا آخر جيل إجتمع فيه الأولاد والأحفاد حول " الجدات " فى ليالي الشتاء القارصة للاستماع والإستمتاع بقصص " عمتنا الغولة " وهي تصرخ " يا حليبي  خبّ  خبّ .. وأنزله  فالركبّ ".

وكذلك  للإنصات  بقلق الى ما ستنتهي إليه  خرافة " أم بسيسي " فى رحلة  بحثها عمن يعيد اليها ذيلها المفقود ..!! والذى يرد فى نهاية كل مقطع كقولها وهي تخاطب البير [.. تعطيني المية .. و نعطي المية للسدرة ، والسدرة  تعطى  النبق .. ونعطى النبق  للبقرة .. والبقرة  تعطي الحليب .. ونعطي الحليب لام بسيسي  .. بيش تعطيني راس معيبيصي نعيد به نهار العيد ] .. 

ولعله من المشاهد التى لن تتكرر مشهد الأولاد وهم يحملون " أسّفر" ( أطباق) " الكعك " و"الغريبه " الى الكوشة أيام الأعياد ، والإنتظار هناك حتى ينتهي الكواش من عمله..وما يصاحب ذلك الإنتظار من مشاكسات .. ومعاكسات .. لا تتوقف إلا  عندما يقوم  الكواش  بإخراج الكعك أو الغربية ويُعلن عن إسم صاحبها عبر ترديده للقب العائلة ( عيت فلان ) فعندها  ينشغل الأولاد  بجمع الغلة فى الاكياس ـ والتى غالبا ما تكون عبارة عن شوال دقيق فارينه فارغ ـ بحذر شديد للتقليل من الخسائر، وبالطبع  بعد  شكر الكواش على حسن أداءه  يقدمون  له " حارة " ( أربع قطع )  كعك أو غريبه فوق الأجر.

ولازالت  الذاكرة  ـ كذلك ـ تحتفظ  بمشاهد أبناء  جيلنا  و بناته و هم  يحملون  أطباق  " الخبزة " فوق رؤوسهم  الى  الكوشة  وتسمى تلك العملية بـ " الرمي " .. وكانت  " الكوشة " أو المخبز  يعج بالناس ومع هذا لا يفقد أحدهم خبزه ، أتدرون لماذا ؟  لأن كل  حوش كان ـ بالإضافة الى الأمانة ـ لديه  علامة خاصة يضعها على أقراص خبزه  فتميزها عن غيرها ، فمنهم من كان يضع حبات من القرفة.. ومنهم من يضع حبات من الجلجلان .. أو يُحدث عددا معينا من الثقوب تسمى  " قرصه " ، أو يرسم  خطوطاً على سطح عجينه .. ولا زلت أذكر بوضوح أن علامة خبزنا كانت عبارة عن " حبات من الأرز " .. 

ولا أظن أنكم ستشاهدون بعد اليوم منظر الأسرة الليبية الكاملة ـ الرجل والمرأة والأولاد ـ وهم يسيرون مترجلين فى زيارة لأحد الجيران أو الأقارب ، وتتوسطهم " القفة " .

والقفة هي تقليد إجتماعي ـ إنقرض ـ وكانت بمثابة الهدية  التى  يقدمها الضيف لمضيفه ، وكذلك كنوع من تخفيف أعباء الزيارة ـ مادياً ـ على  المضيف .. حيث كانت القفة تحتوى على .. مكرونة .. زيت .. طماطم.. سكر.. شاهي .. وكانت لا تكتمل  زينتها إلا ببروز  العظم العلوي  للحم الفخذ أو الكتف .. وقد تحتوى على شيء من المكسرات وغالباً ما يكون .. لوزاً  أو  كاكوية .

ولا أشك بأننا آخر جيل تجمعت فيه بنات الحي بظفائرهن  المنتهية  بـ " النسترو"..  وأيديهن المخضبة " بالحنة " للعب .. الكمادي .. والكريكمة.. والقيران .. و النقيزة .. و الحبل ..

وأصطف فيه أولاد الزنقة جنبا الى  جنب إستعدادا  للإنقسام الى  فريقين  لممارسة لعبة " الليبرة ".. أو

المزيد


Benhaleem7

أبريل 10th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

 " إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

 للأستاذ/ مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 7 من 7)

الأخــــــــــــــــــــــــــــــــــيرة

  

وتحط بنا الرحال فى  رحاب  الحلقة  الأخيرة  من  هذه الإطلالة .. بما  حوته من مشاعر إنسانية .. وتجاذبات شخصية.. وبما حملته معلومات تاريخية.. ووثائق وتحليلات سياسية .. إتفقنا مع المؤلف فى الكثير مما ذهب إليه.. وإختلفنا معه فى بعض النقاط .. وكما يقال فالخلاف لا يفسد  للود قضية .على أي حال  آمل  أن  أكون  قد  وفقت ـ من  خلال  هذه الإطلالة ـ فى  عرض  هذا الكتاب القيم.. بطريقة تتناسب وكتاب شـّكل بكل تأكيد إضافة نوعية الى  المكتبة  الليبية .. وحفز الساحة السياسية والثقافية على السواء .   نصل الى الباب الأخير فى هذا الكتاب : 

إطلالة على الباب الرابع 

والذى إستحسن المؤلف ـ كما يقول ـ الولوج إليه  تحت عنوان [.. خواطر ووصايا وآمال ..]445.. وقدّم كلامه بالتذكير بأحوال الأوائل .. وكيف كانوا ينصحون أبناءهم .. قائلين [.. إرجعوا فى تدبير أموركم الى آراء  الحزَمة  المجرّبين ، فإنهم قرايا  لكم ، ويرون  ما لا ترون ، وقد  صحبوا  الدهر وكفوكم التجارب ، وإن من  جرعَك المر  لتبرأ أشفق  عليك  ممن سقاك  الحلو لتسقم ، ومن خوّفك لتأمن أبرّ ممن أمّنك حتى تخاف ..]447.

 وأفصح المؤلف عن مصدر تلك الوصايا  والنصائح .. بقوله [.. ونصائحي هذه بعض منها حصيلة تجاربي أثناء  مزاولتي السياسة ، وبعضها الآخر  حصيلة تتبعي وإطلاعي ـ أثناء أغترابي فى أوربا ـ (...) وبعضها الآخر يعبر عن آمال أتطلع إليها ..]447. 

وقسّم المؤلف هذا الباب الى خمسة فصول ناقش فيها العديد من القضايا.. وهي على التوالي : 

الفصل الأول : " مبادىء أساسية ووصايا عامة " : وحّمله ثلاثة نقاط منتقاة من القاموس السياسي .. هي :  

اولأ : أن السياسة عملية  إختيار  بين خير الخيرين  وشر الشرين .. [.. وليس العاقل  الذي  يحتال للأمر إذا وقع ، ولكنه الذي يحتال للأمر ألاّ يقع ..]449. 

ثانيا : يرى المؤلف أنه ليس من الحكمة وبُعد النظر أن يبني السياسي الفطن مصير بلاده وعلاقاتها الدولية على صدقات شخصية .. بل ينبغي بناءها على مصالح وطنية ثابتة .. وذكر بأنه يوجد على [.. جانبي طريق التاريخ السياسي المعاصر أشلاء كثيرة لسياسيين أحسنوا الظن بصدقاتهم الدولية ودفعوا ثمنا غاليا لحسن ظنهم ..]449

. ثالثا : يرى المؤلف أن مصالح الوطن الحقيقية تكمن الأن  فى التعاون  مع  الديمقراطيات الغربية.. [.. تعاونا  مثمرا مؤسسا على  مصالح  متبادلة .. ومثبتا  على  أرضية  صلبة  من  إحترام  السيادة المتبادل وتعاون بين أحرار أنداد .. لا إرتباط وتبعية بين عبيد وأسياد ..]450. 

رابعا : وهنا يضع الأستاذ مصطفى بن حليم يده  على أحد أكبر جراح الجسد الليبي وهو[.. ضعف الإنتماء الوطني فى المجتمع الليبي مع  تعاظم  الإنتماء  القبلي  والإقليمي ..]451.. ويضيف بقوله [.. إنني لا أدعو الى إلغاء العلاقة العرقية بل إنني  أدعو  لجعل الإنتماء الوطني فى الدرجة الأولى قبل أي انتماء أخر ..] 452. 

الفصل الثاني :  " تصورات وأفكار تتعلق بواقع ليبيا ومستقبلها السياسي " : وقال المؤلف بعد أن أكد على أن مشكلة  النظام السياسي  المناسب لبلادنا [.. مازالت تشغل بال كل مفكر وكل سياسي..]454.. قال  أن  مساهمته فى هذا  الإطار ستكون  موجز ة  فى نقاط محددة.. فجاءت كالتالي :  

أولا : مبادئ وآراء رئيسية عامة : 1ـ إن حكم الفرد مهما كان عادلا لايمكن أن يكون بديلا عن حكم الشورى (أي الحكم الديمقراطي). 2ـ خير ضمان للحاكم هو جو الحرية ، وحكم الشورى الذى يتمتع به الشعب .3ـ الحاكم الوطني الحكيم  هو الذى  يستغل  سلطته  لتحضير  شعبه ، وتدريبه على تسلم أموره أي تجهيزه للحكم الديمقراطي . 

ثانيا : نظرات الى المستقبل السياسي فى ليبيا : وحدد الأستاذ بن حليم فى هذا القسم  نوعية النظام السياسي الذى يراه أكثر ملائمة للواقع الجغرافي والتاريخي فى ليبيا بأنه النظام الجمهوري..وتحدث بشكل دقيق عن الأضلاع  الرئيسية له. وصرح بأن غايته من وراء ذلك الطرح.. أن [.. يدرك الوطن  ركب الحضارة ، ويعوّض ما فاته من سنين الجدب الفكري ، والكبت السياسي ، والعقم الإداري ..]456 .

 ثم إنتقل الى عنوان جانبي [.. واقع ليبيا السياسي ..]  ووصفه بقوله [.. إذا أردنا أن نُجمل الحديث عن الواقع السياسي فى ليبيا بعبارة مختصرة ، فإنني لا أملك إلا أن أقول ـ محاولا تلطيف عبارتي ـ أنه واقع بائس مزري قد لا يتمناه المرء إلا لألد أعداءه ..]457. 

ثم وصل المؤلف الى نقطة مفصلية  فى الكتاب  تحت عنوان [.. إعتدل أو إعتزل ..] وقدم ما أسماه العلاج الأصيل.. والعلاج البديل.. فكان العلاج الأصيل ـ بعد تحميل رأس النظام المسئولية ـ هو أن [.. يتحلى بالشجاعة والرجولة ويعتزل الحكم ويسلم الأمانة لمن يختاره الشعب ..] ..ثم إستدرك بقوله [.. ولا أظن أن قائد الإنقلاب يُقدم على ذلك ..] 458.. وهنا بدأ المؤلف فى تقديم  الحل البديل بقوله [.. أتمنى أن يثوب الى رشده ، وأن يؤنبه ضميره ، وأن يعقد العزم ويخلص النية على أن يسير فى طريق الإصلاح  الحقيقي ، وأن  يبتعد  عن  المناورات  السياسية والتستر  وراء  إصلاحات شكلية دعائية غير قادرة على إخراج البلاد من أزماتها المستحكمة والمتفاقمة ..]459. وعدّد خطوات الإصلاح (1) التى يرى المؤلف أنها تبدأ من :     

* التصالح مع الشعب .     

* إعلان الرغبة الجادة  فى إحداث  إصلاحات.     

* إلغاء  النظرية العالمية الثالثة.        

* الإفراج الفوري  عن المساجين.     

* إطلاق حرية  العمل الحزبي / النقابي / الصحفي / وتفعيل مؤسسات  المجتمع  المدني .        

* رد المظالم وتشكيل محكمة على غرار محكمة جنوب أفريقيا …الخ. 

وهنا وقفة تفرض نفسها.. فبعد تقييم موقف الأستاذ مصطفى بن حليم بإجابية تجاه ما يحدث فى ليبيا .. وتفهم تخوفه على مستقبل البلاد .. ومشاركته فى تغليبه  للوازع  الوطني  على الألام  التى خلفها نظام القذافي فى نفوس الغالبية العظمى من الليبيين .. بعد كل ذلك لابد أن  يقف الباحث أمام المشهد العام .. والذى يشير من وجهة نظري الى إضطراب الكتاب فى توجيه رسالة محددة  للشعب الليبي تجاه نظام الإنقلاب .. ففى  الوقت الذى  كان  نسق  الكتاب من  أوله يشير  الى أن الشعب  والنظام يسيران فى خطوط متوازية .. إبتداء من تأكيده على غياب أي  شرعية أو مشروعية من الممكن أن يستمر تحتها نظام القذافي.. وإنتهاء بحديثه عن الكوارث  المادية  والإجتماعية وتوصيفها على أنها أصبحت جزء من المشكلة.. مرورا  بالإشارات  الى  شخصية  وطبيعة  العقيد  القذافي  ذاتها.. نجد المؤلف هنا ـ وبعد كل ذلك المشوار ـ يحاول أن يرسم لخطين متوازيين نقطة إلتقاء !. 

وثانيا نجد المؤلف الذى خاطب طيلة رحلة الكتاب العقي

المزيد


Benhaleem6

أبريل 4th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

للأستاذ/ مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 6 من 7)

القصر الملكي ..

بعد أن يتجول القارئ  فى  معرض  للصور الرائعة .. والمنتقاة بعناية ( فى خمسة عشر صفحة ).. صور يفوح منها عبق التاريخ .. وتتحدث  عن  ملامح الأجيال  التى مرت على ليبيا .. يجد القارئ نفسه أمام العنوان الذى بدون شك  يمثل جديد هذا الكتاب .

" إطلالة على الباب الثالث "

ندخل بمعية المؤلف الى هذا الباب بعد رحلة طويلة بلغت 383 صفحة من القطع الكبير .. تحت عنوان [.. البيئة السياسية فى ليبيا قبيل الإنقلاب .. ] 385. 

الفصل الأول :

[ عوامل انهيار النظام الملكي ] كان العنوان الذى إختاره المؤلف للحديث عما يمكن أن يكون جديد الكتاب .. وحدد أول تلك العوامل بـ [ شيخوخة  الملك  وفساد الحاشية ] 387. ولخص الموقف بأن [.. فساد الحاشية وشيخوخة الملك  وجهان  لعملة  واحدة  ، فشيخوخة الملك وضعف صحته ووهن عزيمته هي التى شجعت الحاشية وجعلتها تستمرئ الفساد ..]387 .

ثم يتحدث عن فشل وإفشال محاولات الإصلاح .. وتردد الملك  فى  تسليم التركة لولي العهد بحجة أنه[.. كان يدرك بأنه غير مؤهل لذلك.. وأن الوضع فى عهده سوف يزداد سوءا ..]388.. وصولا الى تصريح المؤلف بأن ليبيا تحولت بالفعل الى ما يشبه الغنيمة الباردة .. تكالبت عليها ثلة فاسدة.. الى درجة  قوله [.. وعم الفساد  فى  الدولة  الليبية ..]388 .. وحدد إنفجار  الحالة فى الإنذار الذى أطلقه الملك فى 13 يوليو1960م تحت عنوان " بلغ السيل الزبى ".

وفى الحقيقة أجد صعوبة فى تقبل  تبرير الفساد  الذى  تشير اليه المقدمة على أنه جاء كنتيجة لفساد الحاشية فقط.. وكون الحديث عن الإنهيار  يدور حول  الملك  وحاشيته فى  دولة من المفترض أنها ملكية دستورية تحكم بواسطة حكومة.. ولها برلمان .. الخ.. فمن القصور بمكان أن يقتصر الحديث هنا عن الملك .. أوعن حاشيته التى  يبدو من  خلال ما يُكتب عنها أنها لم تكن  فاسدة فقط بل كانت أداة للإفساد.. ولعل من يتمعن فى بيان الملك المشار إليه سابقا.. سيكتشف أن تحميل مسئولية الفساد الى الحاشية فقط توصيف غير دقيق .. لأننا  سنقرأ أن  الملك  وجه  فى بيانه الشهير تهديده [.. الى رئيس الحكومة الإتحادية .. والوزراء.. والوكلاء  وكل  مسؤول بها.. والى  والي  طرابلس  وبرقة وفزان.. ونظارهن.. ومديريهن.. ومتصرفيهن كل مسؤول فيهن .. إنه قد بلغ السيل الزبى ..]389. وهكذا نرى أن الجهات التى  غيبت فى هذا  الفصل ـ وعلى رأسها الحكومات ـ  حاضرة  فى صدر البيان .. فكان الإنصاف أن يقتسموا المسئولية مع الحاشية .. والملك !.

وكذلك لا يمكن تصور الفساد الذى دفع بالملك لأن يصرخ  ويهدد ويتوعد فى بيانه السابق بأنه وليد اللحظة.. أو العام (1960م ) ففساد بهذه المواصفات لا يمكن إلا أن يكون تراكميا  لعدة سنوات من الممكن جدا أن تطال سنوات حكم السيد بن حليم نفسه.

وحتى بخصوص  ولي  العهد  الذى  وصفه المؤلف بأنه  غير مؤهل .. دون أن يُحدد لنا الجهة التى تتحمل مسئولية إهمال إعداده وتأهيله.. فيبدو أن للحكومات نصيب فى هذا الباب أيضا .. كما يذهب الى ذلك الأستاذ / إبراهيم صهد.. بقوله [.. لم يفعل لا الملك ولا حكوماته ! ـ دون إستثناء ـ شيئا فى مضمار إعداد ولي العهد لتولي مهامه ..] (1) .

ورجّح المؤلف أن العامل الثاني من عوامل الإنهيار كان متمثلا فى [.. حالة من الغفلة واللامبالاة..]

وبعد أن  ذكر  المؤلف  بعض  صور الإستهتار بالوضع .. كإنصراف  العقيد /  عبدالعزيز الشلحي لشرب الخمر !! .. وتهكم  المقدم  رمضان  غريبيل  على  معمر القذافي ـ الذى كان يعد للإنقلاب ـ عن طريق إستدعائه أمام ضيوفه وسؤاله عن ساعة الصفر ( للإنقلاب ) .. ثم  صرفه وسط ضحك الحضور.. يقول المؤلف [.. لقد كان حجم  الغفلة والإستهتار مذهلا لا يكاد  يصدقه  عقل ..]391.. ونستطيع أن تلمح الكثير من  مظاهر الإستهتار  بين  ثنايا  المذكرات التى صدرت .. نتركها خشية الأطالة (2) .

ثم إنتقل المؤلف للحديث  عن  العامل الثالث وهو [.. عدم الإستقرار السياسي ..]  وتحدث عن حالة عدم الإستقرار السياسي كأحد تداعيات هزيمة 67م .. وكيف تسببت  دعايات  إذاعة صوت العرب فى تأجيج مشاعر الغضب عبر [.. سيل من الإتهامات الرخيصة والإدعاءات الكاذبة..]396 .. وسط فشل  الإعلام  الليبي  فى دحر  تلك الحملة .. مما تسبب فى [.. إرباك الشعب وفقدان ثقته فى حكومته وضعف ولاؤه وإنتماؤه لدولته ، وتنامي ولاؤه.. بل وتقديسه لجمال عبدالناصر ..]396.

وجاء العامل الرابع متمثلا فى [.. صراعات طاحنة  تعصف  بالقوات المسلحة ..] ففى الوقت الذى تحرص فيه الدول على تجنيب قواتها المسلحة الألاعيب السياسية.. ووضع معايير صارمة لقيادته.. يرى المؤلف أن الجيش الليبي فى تلك الفترة  تجاذبته  مراكز قوى على رأسها " العقيد عبدالعزيز" الشلحي ومجموعته .. وعمت  الفوضى  الجيش  وتناهشته  الأيادي  الحزبية  [.. فسمعنا عن تنظيم الملازمين .. وتنظيم الرواد .. وتنظيم العقداء .. بل وتنظيم ضباط الصف والجنود .. فوضى عارمة وسباق محموم أذكى ناره سقوط هيبة القيادة فى الجيش ..]397.

وجاء أخيرا [.. تخلي الملك عن السلطة ..] كأحد  عوامل  الإنهيار .. حيث  يرجح  المؤلف  أن كل العوامل السابقة تضافرت [.. فى  تهيئة  الساحة  السياسية  لتغيرات  جذرية (...) ولكن  القشة التى قصمت ظهر البعير كانت هي تخلي الملك عن الحكم (...) فى أغسطس 1969م (...) تنحي كامل وفوري ونهائي..] 398.

من الممكن إعتبار هذا الفصل من  الفصول  التى لها علاقة مباشرة بعنوان الكتاب .. وفى تقديري إستطاع المؤلف أن يضع فيه عناوين هامة ودقيقة للتعريف بالوضعية التى كانت عليها الدولة قبيل الإنقلاب .. وإن كانت نسبة شفافيته بالنسبة لأداء الحكومات لم تكن كافية لتقييم وضع بذلك التعقيد.. والنتيجة بتلك الخطورة (الإنقلاب ).  

 الفصل الثاني :

ونصل الي "أم المعارك" ونتجاوز إليها بحذر.. وشوق.. تحت عنوان [.. أول سبتمبر المشؤوم ..].

يقول المؤلف أنه .. سمع بنكبة إنقلاب سبتمبر صباح يوم الإثنين الأول من سبتمبر 1969م عندما كان فى زيورخ بسويسرا فى رحلة علاجية .

فكيف تصرف السيد مصطفى بن حليم وهو أحد أبرز رجال الدولة الملكية ؟! .

يقول عن خطوته الأولى [.. حاولت  فى ذلك  اليوم  الإتصال  بالملك  فى تركيا أو اليونان أملا فى إقناعه بسرعة العودة الى الوطن ، فقد كنت على أمل قوي بأن  عودته  السريعة قد توقف مؤامرات الإنقلابيين (....) تبين لي بعد فشل محاولاتي للإتصال بالملك مباشرة أن لا شيء يمكن عمله لإنقاذ الوطن من نكبة الإنقلاب ..]401.

وجاءت خطوته الثانية(3)[.. تساءلت لماذا أستبعد أن يأتي شيء من الإصلاح وبعض من الخير من هذا النظام الجديد ؟ ولماذا أكذب  دعوى  الإنقلابيين من أن أهدافهم اقتلاع  الفساد .. وإصلاح أمور الوطن ؟ ..لماذا لا نعطي النظام الجديد الفرصة وندعو له بالنجاح ؟ وحزمت أمري وقررت العودة الى أرض الوطن .. وأبرقت لقائد الإنقلاب متمنيا له التوفيق والسداد ..]402 .

وهنا أعترف  بأني لم  أستطع أن أجمع .. أو أوفق ـ تحت أي  بند ـ بين هذين الموقفين  المطروحين لمعالجة أزمة واحدة.. فأحدهما  بكل تأكيد  على النقيض من الآخر .. خاصة إذا علمت أنهما تما فى غضون ليلة أو ليلتين كما يفهم من مجموع النصوص .. فألأول منسجم مع توجهات ومكانة الأستاذ بن حليم وتوصيفه لوضعية المملكة كدولة شرعية .. فيما يبدو الثاني كأنه حركة  شاذة  خارجة عن النسق المريح.. بالنظر الى  وضعية  إنقلاب عسكري  ليس الأول فى المنطقة.. خاصة  ونحن نقرأ تشديد المؤلف على قضية الشرعية بقوله[..لاشك أن إنقلاب سبتمبر جاء نقيضا للشرعية الدستورية التى كانت قائمة فى ليبيا، والذى ينقض الشرعية لا يمكن أن يكتسب الشرعية..وهذه قاعدة عامة..]416..ففى تقديري لايزال موقف تأييد ودعم الإستاذ بن حليم للإنقلاب سواء  صبيحة  يوم الإنقلاب ..أو بعد ذلك ثلاثة عقود ـ أزمة لوكربي ـ  يحتاج الى  شرح  واف  من  المؤلف  لكونه غير منسجم تماما مع ما يطرح من أفكار .. وما يذكر من مواقف . 

ونـّذكر بأننا هنا نحاول أن نقرأ الحدث بعقلية .. وظروف .. ومعطيات 1969م  .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عما أسماه [.. مزاد علني بين عطاءات  وعروض لوسائل حماية الإنقلاب الرضيع .. وتطعيمه بأحدث أنظمة الضلال وإرضاعه  بأفكار الضياع  والتخبط وحمايته وتحصينه وتعويذه بأدعية ماركسية ، وترانيم ثورية ..]402.

والتى تعددت بين العطاء المصري والعراقي والسوداني والسوري  والفلسطيني .. [.. كلها تعرض الخبرة والتجربة وتقدم النصح الذى كان فى مجمله  يدعو الى إقامة دكتاتورية ، والتعامل بعنف مع أي معارضة للنظام  الجديد ..] 412 . ويبدو  أن  العطاء  رسا  على  الطرح  المصري .. وتحدث المؤلف عن الدور القذر الذى  لعبه المصري " فتحي الذيب ".. ووصفه المؤلف بـ [.. اللبنة الأولى الى قام على أكتافها  ذلك النظام  الشيطاني  الذى  عصف  بكل شيء طيب على ثرى ليبيا ، وعطل مسيرة الإصلاح والتقدم ..]141.

ثم يضعنا المؤلف أمام تحدى خطير .. ومثير.. عندما يتساءل [.. هل كان الإنقلابيون على صلة أو تنسيق مع دول عربية وأجنبية ؟؟ ..]405 .

وقبل أن يطرح خلاصة  ما  توصل إليه  يؤكد الأستاذ بن حليم  على أنه قرأ [.. العديد من الأبحاث بعضها نشره إخوة ليبيون عرفت فيهم الصدق والموضوعية وجدية البحث وعمقه ..]406 (4).

ثم يبدأ المؤلف فى  طرح  خلاصة  ما  توصل  إليه  بنفي  أي علاقة أو سبق معرفة بالإنقلاب لأى جهات خارجية.. فيما يؤكد فقط على[..علم السلطات الليبية بتلك التحركات وإستخفافها بها..] 405.

ويدلل المؤلف على نفيه هذا .. بالنسبة  لمصر ـ مثلا ـ بسؤال الصحفى محمد حسنين هيكل المقرب من عبدالناصر عند  نزوله  من الطائرة  مباشرة [.. أين الأخ عبدالعزيز بك ؟  فكان رد الإنقلابيين المستقبلين أن عبدالعزيز نزيل السجن ..] 406.

أما بالنسبة للموقف الغربي فيستعرض  المؤلف  أسماء  كبيرة ولامعة فى دنيا السياسة مثل الرئيس الأمريكي " رتشارد نيكسون" ووزير الخارجية السابق الدكتور " كيسنجر "..و" رتشارد هولمز " رئيس جهاز ( السي أي أيه ) .. و" ديفيد نيوسوم " وكيل  مساعد  وزير الخارجية  أنذاك .. و" آثر كلوز " سكرتير أول فى السفارة الأمريكية  ورئيس مكتب ( السي أي أيه ) فى  ليبيا .. و الدكتور " بريجنسكي "  مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي .. والسير " ألن مونرو " سكرتير أول فى السفارة البريطانية أنذاك .. والسير " روديك ساريل " سفير بريطانيا لدى ليبيا أنذاك ……الخ.

ويؤكد الأستاذ / بن حليم على لسان كل من  سبق  ذكر  أسمائهم  عدم  معرفتهم المسبقة ـ أو معرفة الدوائر التى يعلمون بها ـ بأي  تفاصيل  عن الإنقلاب..أو عن من يقف  خلفه .. فضلا عن أن يكون لهم علاقة به .. فى الوقت الذين يؤكدون فيه أنه  كان  لديهم معلومات عن تحركات مريبة وخطيرة فى أواسط الجيش .. كانت  حكومة المملكة  تطمئنهم الى أنها تحت السيطرة .. وأنهم كانوا يعتقدون أن وراء تلك التحركات مراتب كبيرة فى الجيش مثل عبدالعزيز الشلحي.

وبكل تأكيد فقد  وضعنا الأستاذ بن حليم أمام  تحدي  كبير  يتطلب  جهدا علميا  وموضوعيا.. لكون المعنى بالبحث هنا حكام غلاظ  شداد وأنظمة الدكتاتورية .. فنحن نتيجة  لضخامة  المؤامرات التى تحيط  بنا كشعوب  ومنطقة.. وإنكشاف الكثير منها بعد مرور فترات وجيزة على  حدوثها.. تشبعنا بعقلية المؤامرة.. ففى الوقت الذى يستسهلها البعض كحل لتفسير الأحداث عن طريق وصف كل ما يجري بأنه مسرحة.. ولعبة.. ومؤامرة .. الخ .. أصبح البعض الأخر يتخوف من الوقوع فى حبالها الواهية.. مما جعل من إستبعاد فرضية التأمر ـ عندهم ـ أصل لابد من البناء عليه .

ونظرا لواقعية  وجرأة  ما  يطرحه  المؤلف  فلم  يبقى أمامنا ـ على  الأقل  فى هذه العجالة ـ إلا أن نطرح بعض الأسئلة التى من شأنها إن وجدت جوابا شافيا أن تجعل السيناريو أكثر تماسكا وبالتالي أكثر قبولا.. وإن لم تجد جوابا فلا أقل من أن تجعل الأمر مفتوحا على كل الإحتمالات (5) .

الإستشكال الأول يتمثل فى كون الأستاذ بن حليم قد أشار فى أكثر من موضع الى تحذيرات غربية لتحركات فى الجيش كقوله [.. كانت مخابرات دول  غربية  كثيرة  تشعر بوجود  تحركات انقلابية فى الجيش الليبي..] 405.. ولو أردنا أن  نرسم  سيناريوا  كاملا .. وفق  منطق متماسك منبثق عن تفهم لكيفية وصول تحذير بهذا  المستوى  الى  شكله النهائي .. فلا بد من  القول  بأن  هناك عملاء على مستوى رفيع من الحرفية.. يعملون لحساب تلك  الدول  ويزودونها  أول  بأول عن التحركات مشبوهة(6) .. وبما أن الأستاذ بن حليم يؤكد معرفة الحكومة الليبية بتحركات القذافي  ومجموعته.. بل ويورد قصة عن إستدعاء القذافي  من  قبل  المقدم  غريبيل  وسؤاله بتهكم متى ساعة الصفر؟.. فكيف نستصيغ  عجز 

المزيد


Benhaleem5

أبريل 2nd, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

للأستاذ/ مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 5 من 7)

 بعد مشوار طويل بعض الشيء ندلف الى الباب الثاني .. حيث تبدأ الذاكرة تقترب رويدا رويدا من أحداث شكلت بعض  حلقاتها الماضي  القريب .. ماض لا شك  أنه لايزال طري العود .. وذو تاثير مباشر على حياتنا اليومية.. ماض عرفنا بعض خباياه .. وبعضها الأخر لا يزال يكتنفه الغموض .

إطلالة على الباب الثاني

إفتتح المؤلف هذا الباب الذى يتطرق الى عهد المملكة الليبية ووزراتها بشيء من التفصيل والتوسع تحت عنوان [.. تحقيق الإستقلال وقيام  الدولة  الليبية الحديثة..] 197 .. وبتمهيد قصد منه المؤلف التذكير بأن العودة الى الحديث عن الوزارات ـ التى  سبق له الحديث عنها فى كتابه الأول صفحات مطوية ـ سيكون على  نحو مغاير  من حيث المنهجية .. وبعض  المعلومات  التى  لم تسعفه طريقة الكتاب الأول فى إستيعابها ضمن فصوله .

الفصل الأول :

وتحت عنوان " الطريق الى الإستقلال " دخل  المؤلف  الى  الفصل الأول .. وذكـّر بالتقسيمة التى كانت تعرفها ليبيا أنذاك : ولاية طرابلس وولاية برقة تحت  الحكم  البريطاني .. وولاية فزان تحت الحكم الفرنسي .. مع تمتع ولاية برقة فقط بشيء من الصلاحيات أشبه بالحكم الذاتي ، نالتها نتيجة [.. العرفان البريطاني بالمساعدات  التى  قدمها الأمير  إدريس و رفاقه لبريطانيا خلال حربها ضد قوات المحور ..]203 .. ثم تطرق الى نص قرار الإستقلال الصادر عن  الجمعية  العمومية  بهيئة الأمم المتحدة فى 21 نوفمبر 1949م.. وختمه  بقوله [.. أن بؤرة تركيزه (أي القرار) مسلطة على إعداد الدولة  أولا ، ثم منح الإستقلال ثانيا ، ونجد أن  إعداد  الدولة  من وجهة نظر صانعي القرار تتمثل فى ثلاث ركائز أساسية : وضع دستور/ اختيار شكل الحكم / اختيار شكل الحكومة..]207..

وتجاهل المؤلف التساؤلات التى عادة ما تصاحب الحديث عن الإستقلال .. وهل كان كاملا بالمعنى الدقيق للكلمة.. أم كانت به هّنات ؟!! .

وعلى عكس  الإجمال  الذى  إكتنف  موقف  المؤلف  هنا .. نجده فى " شهادته  على العصر" أكثر وضوحا عندما قال [.. ياسيدي كان إستقلالا ناقصا ، خلينا نسمي الأشياء بأساميها ..] !! (1) .

وتنفيذا لما جاء فى قرار الأمم المتحدة تم تفويض السيد " أدريان بلت " ـ هولندي ـ فى 10 ديسمبر 1949م بمهمة الإشراف  على إعداد الملف  الليبي .. وأختير [..السيد / مصطفى ميزران عن إقليم طرابلس .. والسيد على أسعد الجربي عن إقليم برقة .. والسيد أحمد بن الحاج السنوسي صوفو عن إقليم فزان.. والسيد  جياكومو ماركينو ـ وهو إيطالي ـ عن الأقليات ..] 208.

أما عن الحكومات المشاركة فى اللجنة فقد أختير لعضويتها كل من [.. السير / هيو  ستونهور بيرد عن بريطانيا.. والسيد / جورج  بالاي  عن  فرنسا.. والسيد / لولس كلارك عن الولايات  المتحدة.. والسيد / جيوستي كونغالونييري عن ايطاليا.. والسيد / كامل سليم عن مصر.. والسيد / عبدالرحمن خان عن باكستان..] 208.

وخلص السيد " أدريان بلت " ـ بعد جولة موسعة فى الأقاليم ـ الى أن النظام الفيدرالي هو [..أفضل الخيارات التى تتماشى مع تركيبة  المجتمع الليبي السكانية والجغرافية ..]209 .. ثم تطرق المؤلف الى تدرج الأحداث المشهورة .. وصولا الى الخلاصة النهائية فى 2 ديسمبر حيث توصلت الجمعية الوطنية الى [ 1ـ إقرار النظام  الإتحادي ( الفيدرالي )  كنمط  سياسي  لتنظيم  شؤون إدارة مناطق ليبيا  الموزعة  بين  الأقاليم  الثلاثة..2ـ إقرار  النظام الملكي كشكل للحكم  فى دولة ليبيا المستقلة ، ومبايعة الأمير محمد إدريس المهدي السنوسي كأول ملك لهذه الدولة الفتية ..]211 .

ويلاحظ هنا أيضا تكرار إغفال ذكر بعض الأسماء الهامة جدا مثل لجنة الـواحد والعشرين ( اللجنة التحضيرية ).. وهنا أيضا نجد أن الأستاذ الصيد قد إهتم  بهذه القضية على نحو أوضح (2).

وكذلك أغفل المؤلف ذكر أسماء لجنة  الدستور .. المكونة من  ثمانية  عشر عضوا .. ولجنة العمل المكونة من عضوين من كل إقليم .. رغم أنه قد وصفهم بـ [ .. أولئك الليبيين  البررة ..]212.. مما يجعلنا نكرر سؤالا سبق ذكره وهو : لماذا أغفلت  أسماءهم  فى بحث  بهذه الدقة والضخامة ؟ وهل يكفى وضع صفة " البررة " محل الإسم فى المباحث التاريخية ؟!! .

على أي  حال .. بإنتهاء لجنة الدستور من إعداده .. وكان [.. يتألف من مائتين وثلاث عشرة مادة ، وبعد الموافقة عليه وإقراره من قبل الجمعية الوطنية فى اليوم السابع من شهر أكتوبر سنة 1951م ، لم يعد هناك عقبة أو مانع يحول  دون  إعلان  استقلال البلاد ، ولذا فقد حُدد يوم 24 ديسمبر سنة 1951م ليكون اليوم المشهود لمثل هذا الحدث الجليل ..] 212 .

ورغم كل الجهود التى بذلت فى إنجاز الدستور إلا  أنه  بقي عملاً  بشرياً  يعتريه  ما يعتري الجهد البشري .. ففى مقابل  تأييد الكثيرين  له  بدون  تحفظ .. وجد فيه البعض الأخر العديد من الثغرات والقصور إستدرك على  بعض  جوانبها  الدكتور على  الصلابي (3) .. والأستاذ محمد أحداش ( محامي ) (4) .. بل ووصفه السيد بن حليم نفسه فى كتابه الأول (5) بأنه كان به بعض الغموض الذى تسبب فى فتح باب التفسيرات المتضاربة.

وغيرها من الأراء التى تطرقت للحديث عن الدستور شكلاً.. وموضوعاً (6) .

وفى الحقيقة من خلال تأمل مسار الأحداث والصراعات  التى صاحبت ميلاد الإستقلال .. وبالنظر الى طريقة إعداد الدستور .. وبتفحص ماورد فيه .. وما قيل عنه من  ملاحظات .. أجد صعوبة فى وصف المشهد بأنه كان مكتملا.. أو أنه الأمثل .. وعلى الأرجح فإن ذلك الوصف كان سُيقبل لو قرن ـ مثلا ـ بعبارات أنه الممكن بمعطيات وإمكانيات  متطلبات  تلك الفترة.. مع التأكيد على [.. إحتفاظ الجميع بحقهمّ في التحفّظ على مواد بعينها..] (7)  .. كما يذهب الأستاذ هشام بن غلبون .

وقد يرد هنا سؤالا : هل كان الدستور كافياً  لوصف العهد الملكي  بأنه  كان  نظاما  ديمقراطياً ؟!!.

برغم أن الأستاذ بن حليم حاول الإجابة على هذا السؤال فى كتابه الأول(8).. إلا أن تسلسل الأحداث يشير الى أن ممارسة الملك ـ من  حيث  حدود الصلاحيات ـ  وممارسة الوزراء .. تشير الى وجود مقومات أو نواة الأنظمة الديمقراطية ولكنها ـ وأرجو أن أكون مخطئا ـ لم تكن كذلك على الأرض .. وقد سبق الإشارة الى كيفية التعامل مع قضايا  مثل  قضية  حزب المؤتمر ( السعداوي ) .. وقضية جمعية عمر المختار.. وقضية حل المجلس التشريعي.. وإحتجاجات الطلبة .. وقرار حل الأحزاب.. وغير ذلك .. وصولا الى تفكير الملك فى  تغيير نظام  الحكم الى نظام جمهوري  وتكليف السيد بن حليم بإعداد دراسة بذلك .. على أي حال  تبقى تجربة ذات  إنطلاقة ملفتة للإنتباه بالنظر الى نوعية الأنظمة الحاكمة فى تلك الفترة .. وقياسا للحالة التى تعيشها البلاد منذ إنقلاب سبتمبر 1969م.

ويحدد المؤلف وتيرة نمو النظام بقوله [.. إكتفينا بنظام برلماني بطيء التقدم .. قليل التطور لم يكن قد بلغ  سن  الرشد  بعد  ثماني  عشرة  سنة  من الإستقلال .. ولا أبرئ  نفسي  من نصيبي من ذلك التقصير..] ولعل المؤلف أنصف  نفسه  وأنصف  التاريخ  عندما أضاف قائلا [.. لقد أخطأنا جميعا إبتداء من الملك إدريس الى آخر عضو فى آخر وزارة ملكية..أخطأنا عندما أهملنا تقوية المؤسسات الدستورية المتعددة .. وتنمية المنظمات الجماهيرية كالأحزاب والنقابات  المستقلة ، وكذلك  أخطأنا لأننا لم نعمل بعزم قوي على نشر الوعي القومي العام  بين طبقات  الشعب .. ولم نجذبها ونشجعها على التعاون والتجاوب مع المؤسسات الدستورية ..] (9) .

وختم بقوله [.. لقد كان يوم الرابع  والعشرين  من  ديسمبر1951م أجمل الأيام  وأسعدها قاطبة فى تاريخ الشعب الليبي الحديث ، فقد توج فيه كفاح أربعين سنة بنيل حرية البلاد وإستقلالها..]212.

وأرفق خاتمته بالكلمة التى ألقاها الملك إدريس من على شرفة " قصر المنار "  ببنغازي .

عيد عليه مهابة وجلال      عيد  وحسبك أنه إستقلال

يوم سعيد فيه نالت أمة       ملكا  تمّجد  ذكره الأجيال

الفصل الثاني :

ويعتبر هذا الفصل من أطول فصول الكتاب .. حيث ضمّنه المؤلف جزءاً هاماً من تاريخ الوزارات التى تعاقبت على سدة الحكم فى العهد  الملكي طيلة 18 عاماً.. حيث بلغت 11 وزارة.. فيما أتصور أنه رقم قياسي .. بل إن بعض تلك  الحكومات  لم  تدوم لأكثر من " 52 " يوما ( حكومة الساقزلي 18 فبراير ـ 11أبريل 54م ).

ناقش المؤلف فىهذا الفصل بتوسع حركة المد والجزر على المسرح السياسي ـ وكواليسه ـ وإشتمل على كمية كبيرة من المعلومات عن كيفية مجيء الحكومة.. وأسباب إنصرافها أو صرفها.. وبعض الوثائق..والكثير من الأزمات التى صاحبت الحكومات كأزمة السعداوي  وحكومة المنتصر الأولى .. وأزمة حل المجلس التشريعي وحكومة  الساقزلي .. و أزمة  العدوان  الثلاثي وحكومة بن حليم.. وأزمة حكومة كعبار  مع طريق فزان .. وحكومة الصيد وأزمة زلزال  المرج.. وحكومة المنتصر الثانية وأزمة القواعد الأجنبية .. وحكومة  مازق  وأزمة  التحول الى النظام الجمهوري .. وحكومة البدري  وأزمة  الإمتيازات الخاصة .. وحكومة البكوش ـ صاحب  مشروع  الشخصية الليبية الذى لم يكتمل حتى اليوم ـ وأزمات تحديث الدولة … الخ .

المزيد


Benhaleem4

مارس 28th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

للأستاذ/ مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 4 من 7)

 

فى الحقيقة العيش فى أجواء  إستنطاق  التاريخ .. أو التنقل  بين ردهاته .. وإن  كان له بعض الأثار الجانبية السلبية .. إلا أنه  بدون  شك  يضيف الى القارئ  أو الباحث  عمرا لم  يعشه .. وخلاصات تجارب ومشاهدات  بذل  أصحابها  فى سبيلها الغالي  والنفيس .. وتعطيه  فرصة مشاركة الأخرين ـ وإن لم يعاصرهم ـ فضيلة التفكير معهم بصوت مرتفع .. وفى تقديري فإن كل ذلك لا يتأتى إلا إذا كانت النية والعزم معقودين على مكاشفة التاريخ  وشخوصه .. من أجل الإستفادة .. بالنسبة للقارئ  أو الباحث.. ولفتح نافذة  جديدة  بالنسبة  للمؤلف  .. عبر إراد الإحتمالات.. وطرح التساؤلات الجادة على مادته.. عله يستدرك ما يمكن أن يكون قد سقط سهواً.. أو يتوسع فيما أجُمل .. أو على الأقل ليستيقن من أن كل شيء على ما يرام .. وبكل تأكيد فالكثير منا  ينظر بعين الإكبار  للأستاذ / مصطفى  بن  حليم  وهو  يقتحم أكثر العقبات حساسية بحماسة وتحدى ليحرر لنا [.. شهادة ميلاد  للمذكرات السياسية فى ليبيا..](1) وهو فى هذا السن ـ حيث من المفترض أنه سيحتفل فى 29 يناير القادم بعيد  ميلاده 86 .. نتمنى له  عمراً مديداً وحياة هانئة .

على أي حال .. ها نحن نصل برفقته الى :

الفصل السابع :

ويبدأ المؤلف مشواره فى هذا الفصل تحت عنوان [.. تفاعلات الأحداث فى خضم النضال من أجل نيل الإستقلال ..]141 .. ويلقى الضوء  خلاله  على ما  وصفه  بـ  كفاح الليبين ضد الإستعمار فى أرض المهجر.. وبرر تركه لبعض الأحداث التى قد تكون ذات صلة ولكنها لم تحدث فى المهجر.. بالإنضباط  بمنهجية التبويب وتنضيد المعلومات فى أبوابها.. وقسّم تلك المرحلة الى فترتين الأولى ما بين 1923م الى 1931م.. والثانية من 1932م الى 1942م .. بدأت  مراحل  الفترة الأولى من قرار الأمير إدريس السنوسي  الهجرة الى  مصر  بعد أن  شعر بالخطر [.. ليس عليه هو شخصياً فحسب ، بل أيضا على  مستقبل استمرار الجهاد فى ليبيا ..]142.. ثم  قصة مغادرة الأمير إدريس السنوسي .. حتى وصول خبر إلغاء الحكومة  الإيطالية  كافة  الإتفاقيات  الموقعة  معه.. ومصادرة ممتلكات الزوايا السنوسية وإعتقال شيوخها ونفيهم الى جزيرة "أوستيكا ".. والقبض على وكيله السيد محمد الرضا ونقله الى إيطاليا .. وصولا الى  قصة  منح الأمير إدريس اللجوء  السياسي فى مصر بوساطة اللورد " اللنبي ".. وعلاقة الأمير  إدريس  بالجهاد فى الوطن وزيارة الشيخ عمر المختار له.. وورود إسم " التواتي  البرعصي " كحلقة  وصل  بينهما .. ثم تطرق  المؤلف  الى الشخصيات المصرية التى ساندت  الجهاد  فى  ليبيا .. ثم  عّدد  القبائل  المنحدرة من أصول ليبية والتى ساندت حركة الجهاد .. وذكر أطرافاً من النضال  السياسي فى مصر : من عرقلة المساعي الإيطالية .. الى التعريف بالقضية الليبية .. الى جمع التبرعات .. وشراء السلاح  والعتاد والمؤن وتزويد المجاهدين بها .. وهكذا حققت هذه  الفترة  إنتصارات كبيرة وباهرة بفضل [.. التنسيق بين القيادة السياسية فى مصر والقيادة العسكرية فى ليبيا ..] 148.. التى خمدت  وفقدت  ذراعها  العسكري بإستشهاد شيخ الشهداء عمر المختار .. لينتقل المؤلف  للحديث عن الفترة الثانية 1932م ـ 1939م .. تحت عنوان [.. توقف الجهاد  فى  ليبيا  و لجوء  معظم  المجاهدين  الى  المهجر  للإنصهار  فى  التكتل  الليبي المناهض  للإحتلال  الإيطالي ..]149.. وتحدث عن  إنطلاق مرحلة  تولي  السيد يوسف بورحيل المسماري قيادة المجاهدين بعد إستشهاد عمر المختار، وكيف هاجر هو ومن بقى من الفرسان تحت إمرته بمعية الشيخ عبدالحميد العبار فى إتجاه  الحدود المصرية .. وإستشهاده مع بعض رفاقه عند الحدود .. ليدخل بذلك الكاتب فى مرحل أسماها الجهاد السياسي  الذى قاده الأمير إدريس من داخل مصر .. وهناك إلتف  حوله  زعماء  طرابلس  من أمثال : عون سوف المحمودي .. أحمد الشتيوى السويحلي .. الطاهر المريض .. عبدالجليل سيف النصر.. محمد  توفيق الغرياني .. عمر عبدالملك على لاغا .. جمال الدين باشا لاغا.. ـ فى الوقت الذى كان فيه السيد بشير السعدواي على إتصال به من سوريا .. وإلتف حوله من  منطقة  برقة  الكثيرين منهم : عبدالسلام الكزة .. عبدالحميد العبار.. صالح لطيوش .. محمود بوهدمة .. عبدالحميد بومطاري .. عبدالعزيز صهد .. عبدالكافي السمين.. عمر فائق شنيب .. بوقدور  بوبريدان .. الحاج  على  المغبوب .. عبدالله  بن عامر .. ومصطفى بن عامر الذى تولى سكرتارية الأمير إدريس . وتحدث  المؤلف  عن  إشتداد  الحملات الصحفية ضد المستعمر الايطالي .. وبروز إسم " جمعية الدفاع  الطرابلسي البرقاوي "  بقيادة بشير السعداوي .. بالتنسيق مع الأمير " شكيب  أرسلان " فيما أطلق  عليها " حرب القلم " .. الى أن وصل الى قصة الإتفاق الوطني  بعد الإجتماع   الذي  عقده  زعماء  المهجر  من .. طرابلسيين .. وبرقاويين بمدينة الإسكندرية فى بيت الأمير إدريس  ونتج عنه [ .. لجنة  وطنية  تعمل  على تحديد كيفية التعامل مع الفرصة  الذهبية التى انبثقت  من  إشتعال  فتيل  الحرب  العالمية  الثانية ..] 155 .. و كونوا هيئة إستشارية تعمل مع الأمير إدريس .. وسط  سيطرة [.. روح المودة  والوئام  ونبذ الخلافات السابقة التى حدثت أيام فترة الجهاد الأولى ..]155 .

وهنا لا يسع القلم إلا الوقوف للتدبر .. فهاهو الزمن يدور دورته .. وتقف قيادات المهجر من جديد أمام تحديات كبيرة (2004م) .. وتغيرات خطيرة  تجتاح  العالم  من حولنا .. سبق وسَجلت ما جال فى نفسي من خواطر حول هذا المشهد الوطني الرائع فى مقالة مستقلة (2) .

الفصل الثامن :

وجاء تحت عنوان [ .. الإنقلاب فى  المواقف الدولية وانعكاسه على القضية الليبية 36ـ1942م..].

 بعد اللقاء  الذى  تحدثنا  عنه  والذى تم  فيه  تفويض الأمير إدريس بمد الجسور بينه  وبين  ممثلي الحكومة البريطانية .. وتقلبت العلاقة بين هبوط وصعود  حتى تقاطعت المصالح أخيرا على أرض ليبيا بإنظمام إيطاليا الى  العدو الألماني .. وهنا  يصف  المؤلف  الموقف  البريطاني  بأنه  أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد.. عن طريق دعم المقاومة الليبية.. التى ستشكل لها جيشا لا تتحمل مسئولية خسائره.. وفى حال الإنتصار سينعكس ذلك فى صورة إمتنان لهذا الصنيع من قبل الليبيين ..الذى بدوره سيتحول الى معاهدة ووصاية الخ .. وتم اللقاء  بين الأمير إدريس والجنرال " ميتلاند ولسون ".. بمقر إقامة الأمير فى " حمام مريوط " .. وبوساطة الميجور المتقاعد " براملي ".

ثم ينتقل بعد هذا التمهيد الى المبحث الأول تحت عنوان [.. الإتفاق على الأهداف الوطنية واختلاف النعرات الذاتية فى  صراع  الزعامات  الليبية  حول  جدوى  التحالف مع بريطانيا من أجل إخراج العدو الإيطالي من ليبيا ..]160.. ويرسم مشهداً للأمير إدريس وهو يدعو قادة المهجر الى الإجتماع فى أغسطس 1940م .. ويعرض عليهم  الفرصة  التى  وصفها  بأنها  سانحة للتخلص من المحتل الإيطالي عن طريق  التعاون  مع بريطانيا .. وهنا  ينقسم  الصف  بين  موافقة  قادة إقليم برقة على الفكرة .. وبين تباين  موقف  قادة إقليم  طرابلس  بين  معارض ومؤيد .. ويحاول المؤلف أن يُرجع ذلك الى سببين رئيسيين هما : البُعد الشخصي  سواء  بين  قادة إقليم طرابلس مع  بعضهم البعض.. أو بدخول  السيد  عبدالرحمن  عزام على الخط  ـ نتيجة لعلاقته الوطيدة بقادة  ط

المزيد


Benhaleem3

مارس 26th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

للأستاذ/ مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 3 من 7) 

لازلنا نتابع إطلالة الباب الأول .. ولعله من نافلة القول التذكير بأن  الإطلالة عبارة عن وقفات مع بعض النقاط التى وردت بين ثنايا الكتاب.. وقد يرى البعض أن هناك نقاط  تستحق  الوقوف  ولم  يتم  الوقوف عليها ..أو العكس .. ولكونها إطلالة .. وخشية الإطالة المملة.. جاءت الوقفات على ما تصورت أنه الأهم .. وقد أكون تركت ما هو مهم  ..على أي حال لازلنا مع الكتاب نتجول بين  فصوله.. نستفيد.. ونتساءل .. ونشاغب الأستاذ / مصطفى بن حليم .. فنحن كما وصفنا أبناءه.. وجزء من أسرته الكبيرة فى المنفى .. ونكن له كل إحترام .. ونقدر كل التقدير جهده الذى بذله من أجل أن تحتضن مكتبتنا الليبية مولودها الجديد " ليبيا.. انبعاث أمة وسقوط دولة "

الفصل الرابع :

إفتتح المؤلف هذا الفصل المعنون بـ (.. تفاعلات الأحداث فى خضم النضال الليبي لدحر المستعمر الإيطالي..)89.. بكلمة " لإيفانز بريتشارد " مقتطعة من كتابه ـ سنوسية برقة ـ تقول  : " إذا كانت إيطاليا قد بلعت من إقليم طرابلس أكثر مما  تستطيع أن تهضمه ، وسقطت من جرائه طريحة قسوة المرض ؛ فإن ما بلعته من إقليم برقة قد إنحشر فى حنجرتها .. وحجب عنها القدرة على التنفس " .

ثم تمهيد بسيط عاد فيه المؤلف ليؤكد على أنه يركز على ما وصفه بـ [.. جانب التحليل السياسي..] وأنه لن ينحو منحى السرد التاريخي !.. وهو تكرار صاحب أغلب فصول الكتاب مما جعل التخلي عنه فى بعض المواطن يبدو غير مبرر .

على أي حال بعد التمهيد دخل  المؤلف  الى  المبحث الأول  تحت عنوان [.. المقاومة الليبية للغزو الإيطالي وتخلي تركيا عن دورها فى مساندتها ..]91.. شرح فيه المؤلف قصة الغزو .. وأهدافه.. ووسائله التى جاء على رأسها .. الهجرة .. والتغلغل الإقتصادي  لإيجاد  نوع  من التواجد المادي / البشري يستطيع أن  ينتج ما يمكن  وصفه  بالمصالح  الإيطالية  فى ليبيا.. ومن ثم بدأت إيطاليا فى إفتعال الخلافات وخلق  الأزمات  مع السلطة  العثمانية الى أن [.. قامت  فى 27 سبتمبر 1911م.. بتوجيه إنذار الى الحكومة العثمانية وألحقته فى  اليوم  الثاني  بإعلانها للحرب عليها ..] 92 .. الى أخر قصة الغزو الإيطالي لليبيا .. وصولا الى شعور إيطاليا بنوع من  التأزم  فى  الموقف  يقتضي  تحييد الخلافة العثمانية .. فكانت معاهدة " لوزان " .

وهنا يقف المؤلف وقفة  خطيرة كما أسماها أمام  معاهدة  لوزان 1912م [.. والخطير  والمثير فى الأمر فى آن واحد هو ضلوع اليد اليهودية فى  مساعدة  إيطاليا  للضغط  على  تركيا للموافقة على توقيع معاهدة لوزان لصالح دولة إيطاليا ..] 93.. ولربط الضلع اليهودي فى القضية يعرّج المؤلف لإعطاء لمحة على نوعين من المؤامرات التى ساهمت  فى إضعاف الخلافة .. أولهما : ما قامت به الدول الإستعمارية..وثانيهما ما قامت به[.. تنظيمات علمانية مشبوهة ترفع شعارات الوطنية..] 94 .. كجماعة  تركيا الفتاة.. والحركة العالمية  المأسونية .. الى  أن  يصل  الى  صلب النقطة الخاصة [.. بضلوع اليهود فى الضغط  على تركيا للتنازل  عن  ليبيا  للايطاليين  من خلال معاهدة لوزان ، الذى تم عن طريق شخص يهودي  يدعى " ايمانويل قراصو " كان من ضمن الأعضاء المؤسسين لجماعة تركيا الفتاة  ومن  أكثر  المؤثرين  فى  قراراتها .. حتى  أنه  كان رئيس لجنة الأربعة التى كونتها جمعية الإتحاد والترقي للإطاحة بالسلطان عبدالحميد(...) وقد كان قراصو ـ وهذا ما يهمناـ يشتغل عميلا للدولة الإيطالية التى دفعت له أموالا طائلة  ليساعدها فى ترسيخ احتلالها لليبيا..]96.

ثم تحدث عن الأثار السلبية  التى  خلفها  قرار السيد أحمد الشريف بمصادمة القوات الأنجليزية فى مصر.. والذى يرجح الكاتب أنه قد  أجُبر عليها  تحت  وطأة  الضغط  العثماني  و إستخدام الحيلة.. والدسيسة (1) إلا أنّ من يقرأ الواقعة بعمق لن يعفي السيد أحمد الشريف  من المسئولية  المباشرة.. فإذا لم تكن من جهة عدم إيقافه للعملية مبكراً بعد إكتشافه للدسائس كما يثبت المؤلف ، فلكونه القائد الأعلى.. فغير مبررـ لا سياسياً ولا عسكرياً ـ أن يدخل القائد ـ إبتداء ـ معركة دُفع إليها دفعا.. فضلا عن أن يستمر فى  إعطاء  أوامره  بالإستمرار  وهو يعلم  بأنه يسعى الى  شركٍ  أو فخٍ  منصوب له لابد وأن يؤدي الى كارثة.. فطرح الموضوع  بهذا التبسيط المخل قد يعود على أصل القصة ـ قصة وجود دسيسة ومن ثم إكتشافها ـ بالشك.. طبعا هذا إذا أردنا  أن ننزه  السيد أحمد الشريف عن صفة عدم الكفاءة القيادية.. وأن نرفع عنه المسئولية  المباشرة  لكونه القائد الأعلى.. ولهذا لابد وأن يكون هناك تناقض ما ـ إما فى النص أو فى تحليله ـ فالنص الذى  بين أيدينا يتحدث  من جهة  عن  قناعة السيد أحمد الشريف بأن محاربة الإنجليز [.. خطوة خاطئة وستجلب  نتائج  سيئة  تؤثر فى الحركة النضالية الليبية (...) وستجر أقدام المجاهدين فى مواجهات  جانبية (...)  وسوف  تؤدي الى  إغلاق حدود مصر التى يصلهم منها كافة عتادهم ومؤنهم وسلاحهم..]99.. ومن جهة أخرى  يتحدث عن [..أن السيد أحمد الشريف قد أرغم على الدخول فى الحرب ..]99.. فإما أن يكون التفسير التاريخي عبر حكاية الدسيسة والحيلة  ونحوها مبالغ فيه لأجل التبرير.. وأن السيد أحمد الشريف قد دخل الحرب بناء على  تقديرات  بشرية  بحتة  تحتمل  الخطأ  والصواب ( والمرجح  هنا أن يكون قد أخطأ التقدير ).. أو أن السيد أحمد الشريف  علم  بالدسيسة ـ كما  يقول  الكاتب ـ ووعى نتائجها ومع  هذا خاض الحرب.. وتصرف  بعكس ما  بين  يديه  من  معلومات  خطيرة .. وبالتالى  قد يوصف بعدم الكفاءة.. ويتحمل وحده المسئولية الكاملة .. أما الطرحين معا فلا مجال لتمريرهما.

وفى الحقيقة السبب  الذى  جعلني  أتوقف  عند  هذه  الحادثة  هو  كون  المؤلف رتب على نتائجها مبررات دخول الأمير إدريس للمفاوضات مع إيطاليا .. وكذلك مع  بريطانيا .. ويعزو  إليها أسباب ضعف الجهاد فى اقليم برقة.. إذاً فالحدث ليس بالعابر حتى  يؤخذ بهذا التعميم !!.

وينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عما أسماه [.. البواعث المكونة  لحركة الجهاد الليبي وفوارق تأثير الواعزين الوطني والديني فى إطلاق حركة المقاومة والجهاد الليبي..] 102.. حيث وصف المشهد العام لحركة الجهاد الليبي بأنه إنقسم  الى  تيارين  بناء  على  معيارين  إستقى كل تيار منها حوافز إنطلاقه نحو هدف  واحد هو دحر الإحتلال .. حيث [.. كان  هناك  التيار  النضالي  الوطني  الذى يستمد بواعثه فى مقاومة المستعمر إنطلاقا من نعرة الدفاع عن الأرض والعرض .. ثم هناك التيار النضالي الجهادي الذى يستمد بواعث مقاومته للمحتل الأجنبي من وحي العقيدة الدينية وما تفرضه من واجب الجهاد  فى  سبيل الله ..] 102.. ووصف  التيارين  بأنهما  قدما الكثير وحققا إنتصارات باهرة ضد العدو [.. ولكنه لاحقا ومع إستمرار الإصرار الإيطالي على مواصلة احتلاله لليبيا (...) ظهر بوضوح التميز بين تياري حركة الجهاد الليبي ومدى تأثير حوافز وبواعث كل منهما..]103.. وحاول المؤلف التفريق بينهما بقوله [.. إن الإنسان الذى يقاتل من منطلقات وطنية يخضع كفاحه للإعتبارات والحسابات السياسية ، ولمقتضيات المنطق وموازين القوة ، وحسابات الربح والخسارة والنصر والهزيمة ، فى حين أن الإنسان المؤمن بالعقيدة الإسلامية لا يلقي بالا لكل هذه الإعتبارات (..) ولا يعرف من معجم لغة القتال معنى للتراجع أو التقهقر ...] 103 .. وهنا لاشك  أننا نتفق مع المؤلف من حيث التقسيم العام.. ولكن قد يكون هناك نوعا من الإختلاف حول التمايز بينهما.. فالتى أعتبرها المؤلف ميزة  فى  تيار النضال الوطني .. من إعتبار الحسابات السياسية.. وموازين القوى لاشك أنه معتبر أيضا عند  تيار  النضال  الجهادي .. ومن  الأخطاء  المجترة  إعتبار المسلم  يقاتل فقط من أجل القتال ـ أو كما عبر المؤلف ـ لا معنى عنده  للتراجع  .. فالمسلم  يقاتل متى كان القتال هو الوسيلة الأنجع .. وإلا  فالأصل  هو قوله  تعالى { كتب عليكم القتال وهو كره لكم }.. ويتراجع متى كان التراجع هو الصواب.. كتفوق العدو عددا.. أو لقلة  الزاد  والعتاد.. ويسمى فى لغة الفقه بـ ( الإنحياز ) {.. ومن يوليهم  يومئذ  دب

المزيد


Benhaleem2

مارس 21st, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

" إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

لمؤلفه / مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد المملكة الليبية

( 2 من 7)

المؤسس محمد بن علي السنوسى..السيد أحمد الشريف.. الملك أدريس..الشيخ عمر المختار

بعد التقدمة التى فرضها  حجم الكتاب.. ووزن  المؤلف.. والتى  تظهرها  قدرة  الكتاب على فرض نفسه كمادة للنقاش ضمن حلقة  " الكتاب  خير  جليس " على  قناة  الجزيرة (1).. وكذلك  حصوله على مساحة للعرض فى  جريدة  القدس العربي ـ قسم  كتب  ومذكرات ـ (2).. ندلف  الى المحتوى لنلقى نظرة على بعض مما جاء فيه.. وهنا لابد من وقفة للتأكيد على أنها إطلالة عامة من شخص لم يعش فى حقبة المملكة  إلا سنوات  تعد على أصابع اليد  الواحدة  من عمر الطفولة .. وما دخولي على الخط إلا لأني  قدّرت أن ما  كتب موّجه الى جيلي  بالدرجة الأولى .. وأعتبرت نفسي ضمن الفريق  الذى  خاطبه  المؤلف  فى  مقدمة  الكتاب ـ الذى  نحن  بصدده ـ  حاثاً  أياه على أخذ العبرة والعظة.. بل وذهب المؤلف بشجاعة الى الطلب ممن وصفهم  بأبناء وطنه [.. أن يقرأوا هذه المذكرات بإمعان وأن يكون لهم رأي واضح وصريح فى كل ما جاء  فيها..] وأنه يقبل [.. منصاعاً حكم التاريخ الذي يكتبه أبناء الشعب الليبي البررة الذين لا تحركهم رهبة ولا رغبة ..] (3) .

ولا أزعم أن ما أقوم به هو دراسة كاملة ـ بالمعنى الدقيق  للكلمة ـ.. بل هو كما أسميتها إطلالة على الكتاب.. و إسهامة  متواضعة مع ما يبذل  من  جهود  لتنشيط  الساحة  الثقافية.. علها  تحفز  أقلاماً متخصصة لتقدم للجمهور زوايا رؤيا مختلفة .. وتشعر الكتـّاب بأن جهودهم ضمن دائرة الضوء .

إطلالة على الباب الأول

قـُسم الباب الأول الى تسع فصول .. وجاء تحت عنوان : الحركة السنوسية ودورها فى تنقيح الدين .. وبلورة المجتمع الليبي .. ( من صفحة 17 الى صفحة 196 ) سأحاول أن ألقي الضوء عليها .

الفصل الأول : 

جاء الفصل الأول  تقليدي جدا .. ويكاد يتحول الى  نسخة  مكررة  يفرضها المنحى الأكاديمي على أغلب الكتب  الليبية  التاريخية  كمدخل  للحديث  عن  عهد  المملكة  الليبية .. الذى  بدوره  عادة ما يُصنف على أنه إمتداد مباشر لعهد السنوسيين كحركة.. وإن كان المتتبع  لتسلسل الأحداث قد يشعر بضعف ـ على نحو ما ـ فى الحلقات الرابطة بين العهدين  عند دخولها  حقبة  الجهاد  ضد الإحتلال الإيطالي.. وقد يشعر بتباعد تلك الحلقات عند الإقتراب من حقبة المملكة ـ كدولة ودستور ـ .. إلا أن ذلك لا يلغي  وجود  خلفية  مشتركة  بين  كل  تلك  المراحل .. لا خِلاف  على  أنها  رداء  الحركة السنوسية.

والبداية كانت ككل البدايات تنطلق من سرد تفاصيل قصة خط  سيرالإمام  محمد بن على السنوسي منذ إطلاقه من مدينة  مستغانم  بالجزائر .. وصولا الى  الإستقرار بمدينة البيضاء  أحد مدن الجبل الأخضر بشرق ليبيا.. وبناءه للزاوية البيضاء كأول زاوية سنوسية فى ليبيا.. والحديث عن تحصيله العلمي.. وشيوخه.. وأماكن إقامته.. مع ذكر أطراف من سيرته الشخصية … الخ .

ومما لفت إنتباهي فى هذا الفصل هو تأكيد المؤلف على أن [.. إختيار ليبيا كأرض لإنطلاق الدعوة السنوسية  لم  يكن  أمرا  مخططاً له  سلفا ، إنما  جاء  مصادفة  شاءتها الأقدار .. ]24.. وأن سبب إستقرار الإمام السنوسي الكبير فى ليبيا جاء  كخيار إضطراري عندما علم الإمام ـ وهو على حدود تونس ـ [.. خبر إحتلال  الفرنسيين  للجزائر  وأنهم  يدبرون خطة للقبض  عليه بعد أن علموا بأمر وصوله ..]24.

وهنا أتفق تماما مع  المؤلف  فى أن  إختيار المكان ـ بل  والرحلة  من  أصلها ـ لا يوجد دليل على أنه بقصد إقامة  كيان أو إطلاق حركة ونحوه .. أقول ذلك لما وجدته من  تكلف فى إثبات ذلك عند بعض المهتمين بالشأن الليبي/ السنوسي .. وقد أسّـتدرِك على المؤلف  قوله أن سبب العودة هو أن الفرنسيين كانوا  يتربصون  به للقبض  عليه .. لأتساءل : وهل كان الإمام محمد بن علي  السنوسي المغترب عن وطنه  طيلة تلك الفترة  مشهورا الى درجة أن يتربص به محتل حديث العهد بالمنطقة عند الحدود التونسية ؟.. وأن يترصده  فى أصقاع  الأرض ليعرف زمن عودته بدقة ؟ أجد صعوبة فى قبول  ذلك بالنظر الى تاريخ  طفولة  وصبا الإمام حيث عاش يتيماً  يتنقل بين بيوت أعمامه ولم يكن  إبن زعيم عشيرة ..أو مملكة.. بل ولم  يكن على  المستوى الشخصي ـ على ما يبدو ـ شخصية متميزة عن الوسط الذى يعيش فيه ـ بإستثناء وسط طلبة العلم الشرعي ـ على الأقل فى بداياته .

ويصف العلامة صدقى الدجاني شخصيته فيقول [.. والظاهر أنه  كان  فى صباه يميل الى الإنزواء والإنفراد.. ويمضي وقته  بالتأمل  والتفكير..](4) .. بل إن القول بوجود من يترصده عند الحدود .. يصطدم مباشرة  بالرأي الذى يرجح  أن  الإمام [.. كان  بالجزائر  عام 1830م عندما  إحتلها الفرنسيون ..](5) .. وما  ورد من إشارات جاءت فى  سياق  التخمين لا يمكن التعويل عليها لإصدار حكم نهائي دقيق .. وهذا لا يمنع طبعا من إستئناس البعض بتلك الروايات..  ولعل ما  قاله المؤرخ / نقولا زيادة من أن [.. تاريخ تحركات السنوسي  غير واضح ..] (6).. هو الوصف الأدق لتلك المرحلة.

ويتحدث المؤلف عن  دور برامج  الحركة  السنوسية  فى  بناء  الشخصية  الليبية  المتكاملة بشقيها ( الروحي والمادي ).. وكيف أنه كان يدفع الى تكوين مجتمع نموذجي  للإنسان المثالي .. ووصفها بأنها نجحت فيما صبت إليه.. وصولا الى تأكيده  على  نجاحها  فى تنقيح [.. الدين من شوائبه التى علقت به عبر عصور  الإنحراف  السياسي..] 33.. فى  الحقيقة  أتصور  أن  إستخدام  كلمات مثل ( المتكاملة‍ )!  و( النموذجي !) غير دقيق لوصف  الواقع  الذي  عاشته  ليبيا  فى تلك الحقبة.. ولو إستخدم المؤلف ألفاظاً أقل  تحديداً  لكان  أقرب  الى  القبول .. قياساً  الى  الواقع الذى كانت تمر به الحركة والمجتمع الليبي عموماً.. أما قوله  بأنها نجحت فى [.. تنقية الدين من شوائبه..] فيدل  على أن المؤلف لم يعط  لنفسه الوقت الكافي للتحقق من هكذا إستنتاجات !! .

واختتم المؤلف الفصل  بالتذكير بموقف نظام حكم القذافي الذى [.. عمد الى  طمس تاريخ الحركة السنوسية والتقليل  من  تأثيرها  العميق فى  وجدان  وضمير الشعب الليبي ، بل إنه عمد الى تشويه حقيقة الحركة والترويج لمعلومات  خاطئة  كاذبة  ومضللة  عنها .. فى  محاولة  فاشلة للتأثير على ذاكرة الشعب الليبي ..] 34 .

الفصل الثاني :

لعله بسبب تحديد أن قطبي الرحى فى تلك الحقبة هما الحركة السنوسية .. والإستعمار الإيطالي.. وجد المؤلف نفسه يتجه ـ  بعد الحديث  عن الحركة السنوسية ـ لإعطاء  نبذة  بسيطة عن الإستعمار الإيطالي.. وإن كان قد إبتدأ مشواره من مسافة بعيدة بعض الشيء ، يصعب على القارئ أن  يربط بينها وبين البحث  بصورة مباشرة .. حيث إنطلق  تحديدا من  تاريخ ما قبل الميلاد !.. إلا أنه وقف خلالها على عدة نقاط  رأى  أنها  مهمة  لخدمة  مادة  البحث .. حتى  وصوله الى عرض الأساليب الإستعمارية حسب تقويم الحرب الباردة.. وهو وإن كان  تقويما قديما  بعض الشيء.. إلا أنه الأقدر على وصف تلك الحالة.. حيث يقسّم ـ ذلك  التقويم ـ الإستعمار الى ثلاثة  أنواع  رئيسية .. إستعمار إداري.. وإستعمار ثقافي.. وإستعمار إستيطاني.. و خلص المؤلف الى الوصف المتفق عليه.. القائل بأن الغزو الإيطالي لليبيا يقع ضمن  دائرة أردأ  أنواع الإستعمار الإستيطاني .

وأنهى المؤلف هذا الفصل بلفتة وطنية رائعة عندما قال.. لو[..طلب منا أن نختار الأفضل من بينها، لكانت إجابتنا على الفور بأن أسوأها أسلوباً وشكلاً هو الإستعمار الإستيطاني (....)  وأننا سنرفض شكلاً  وموضوعاً  أن  نختار أيا  من أنواعها .. لأنه كما أوضحنا سابقاً  بأن  الإستعمار مهما اختلفت أساليبه أو أشكاله ، فهو يظل دائما آفة بغيضة..لا فضل بين أساليبه ولا خير يأتي من ورائه ..]41

الفصل الثالث :

ينتقل بنا البحث بعدها للحديث مباشرة  عما أسماه المؤلف ( تحليل الشخصيات  الريادية  التى قادت الجهاد العسكري والسياسي أبان الإحتلال ) 43.. وهنا يرفع المؤلف من مستوى الخطاب على نحو مفاجئ .. عندما يقرر تغيير  دفته  من  المنحى السردي .. الى  المنحى التحليلي ـ  وهي القفزة التى ما لبث أن تنازل عنها  بصورة  مخلة ـ كما سيأتي ـ .. صورة تشير بشكل ما الى تدخل عدة أراء لا تنتمى لمدرسة واحدة فى صياغة الكتاب حسب وجهة نظري .

يقرر المؤلف هنا  أنه  سيلتزم  بألية أو منهجية  العقاد  فى عبقرياته.. وهي  منهجية لا تقصد النص بقدر ما تقصد رسم  صورة  تحليلية  للمعنى .. والذهاب  الى  ما  وراء النص .. وهي  كما  نلاحظ منهجية راقية  ومطلوبة للرفع من قيمة الكتابة .. ولإنتاج مادة دسمة تعفينا من حكاية السرد التقليدي المنبثق عن عقلية تقديس التاريخ  كما لو أنه ألواح موسى عليه السلام .. وختم تمهيده لذلك بقوله أن غرضه من إستخدام منهجية العقاد [هو رسم صورة نفسية لملامح رواد الحركة الوطنية التى قادت الجهاد أبان الإحتلال الإيطالي ، وأنه  ليس  الغرض من الكتابة عنهم  فى  هذا الفصل هو  تجميلهم أو تعديد الوقائع  التى شاركوا  فيها ، أو الأخبار التى تحدثت عنهم وبجّـلتهم أو نعتتهم..]44.

ثم شرع  فى  الحديث  عن  أول  تلك  الشخصيات  الريادية  وهو السيد / أحمد الشريف السنوسي.. ومن وجهة نظري لم أجد التفعيل المناسب للمنهجية التى ألزم المؤلف نفسه بها.. بل لم أجد المساحة الكافية لذلك.. ففى الوقت الذى أعطى للحديث عن السيد إدريس السنوسي خمس صفحات ونصف.. وللحديث عن الشيخ عمر المختار سبع  صفحات  ونصف ، أعطى  السيد / احمد الشريف صفحتين ونصف.. ولم يخرج فيها عن صف النعوت والألقاب الكبيرة.. التى يستحقها مجاهد مثل السيد احمد الشريف بإقتدار .. مع ذكر حادثة  واحدة دون تحليل .. أو ذكر معارضات أو أضداد لها  ليتكشف للقارئ المغزى من سرد تلك  الحادثة.. فكما  يقال :  بأضدادها  تتمايز الأشياء.. وفى تقديري  كان بإمكانه الذهاب أبعد من ذلك فى سيرة زعيم بهذا الزخم والتنوع  (7) .

ثم إنتقل للحديث  بإسهاب  عن  السيد  إدريس السنوسي ( ملك ليبيا ).. وهنا لم يستطع المؤلف ـ فى رأيي ـ أن يخفي إعجابه ـ الى درجة الإنحياز ـ بالسيد  إدريس  السنوسي .. وأصبغ  عليه ما حَوت جعبته من كلمات الإطراء والمديح والتبجيل والتفخيم .. ولعل لعنصري المعاصرة والقرب دور فى إطالة الثناء.. كما  قد يكون  لليد الحسنة  دور على  نحو ما.. ويقينا  فإن  المؤلف  أدرك مبالغته فى الوصف فإستدرك متمنيا أن [ .. لا يفسره  بعض  القراء  على  أنه إطراء  مبالغ  فيه  لشخص أكن له الحب والإحترام ] 49 .. طبعا دون الإلتزام بمنهج  العقاد  فى البحث .. بل على العكس فقد إبتعد قليلا حتى عن منهج التفسير ليقترب من منهج  التبرير .. خاصة عندما حاول أن يعدد  أسباب  ترك السيد إدريس السنوسي للساحة ما بين 1913م الى 1915م ـ وهي  ساحة جهاد  ضد  محتل أجنبي من المفترض بحسب خلفيته الدينية أنه جهاد  دفع .. ( وجهاد الدفع  يصنف فى الفقه الإسلامي على أنه فرض عين لا يسع  فرد عادي تركه فكيف  بقائد ! ) ـ على أي  حال إنبرى المؤلف  ليبرر ذلك بعلة قضاء  فريضة الحج  والتعبد لخالق الكون تارة .. وحتى لا يشعر أحمد الشريف بحرج  واجب التنازل عن القيادة تارة أخرى .. وكلها كما هو بيّن  تقع  ضمن  ألية التبرير.. وتبتعد كثيرا عن ألية تفسير  الحدث التاريخي  القائمة  على  مبدأ التكافؤ  فى عرض أحسن الإحتمالات وأسوءها.. و لها القدرة على رسم السيناريو الأقرب الى العقل والمنطق .. والقبول  بالنتائج ولو جاءت مخيبة للأمال المعقودة سلفا .

ثم ينتقل فجأة ـ فيما أتصور أنه خطأ واضح ـ الى مبحث ثان ليعقد مقارنة  بين [..إدريس والشريف والمختار..] 53 . والخطأ هنا من وجهين :

الأول : أنه قطع الترتيب التسلسلي .. حيث كان من المنطقي أن يأتي بمبحث عمر المختار .. الثالث من حيث التسلسل .. حتى يجعل الفكرة مكتملة فى ذهن القارىء عن القادة الثلاثة ثم يعقد المقارنة.. ولهذا نستغرب من مجيء مبحث عمر المختار بعد المقارنة وليس قبلها .

والثاني : أنه قدّم إسم الملك/ إدريس .. على السيد/ أحمد الشريف فى عنوان المقارنة .. على خلاف التبويب الذى بدأ  به الفصل .. وعلى  خلاف ما  تقتضيه  عوامل  السن  و الأقدمية  و المكانة  التى تعرفها الأسر الملكية ..أوالطرق الصوفية التى ينتسب إليها ثلاثتهم.. إلا إذا كان الترتيب عبارة عن إعلان مبكر لنتائج المقارنة بينهم .. كما يراها المؤلف ! .

المهم إنتقل المؤلف للحديث عن مقارنة بين السادة أحمد الشريف وإدريس السنوسي وعمر المختار .. وهنا لابد من وقفة للإشادة بالعقلانية والعودة للإقتراب أكثر من منهجية العقاد.. فقد  دافع الأستاذ بن حليم عن مواقف الملك إدريس عبر مقارنات  واضحة.. وذات بُعد تحليلي رائع.. ومما إستوقفني فى هذا المبحث تحليله لمفهوم " طاعة اولي الأمر " عند السيد احمد الشريف .

فهنا يشير المؤلف الى أن خلل ما وقع فى  إستصحاب السيد أحمد الشريف لوصف دار الخلافة وما يستتبعه من لوازم الطاعة ونحوه  على واقع تغير بزاوية 

المزيد


Benhaleem1

مارس 19th, 2007 كتبها ( ي و س ف ) عيسـى عبدالقيـوم نشر في , كتب

 " إطلالة على كتاب إنبعاث أمة وسقوط دولة "

لمؤلفه : مصطفى بن حليم

رئيس وزراء ليبيا الأسبق فى عهد الملكي

( 1 من 7 )

توطئة :

لم تتعرض حقبة تاريخية من حقب  تاريخ  ليبيا  السياسي  للإستهداف  المباشر كما  تعرضت حقبة المملكة الليبية ( التى  إستمرت  من  1951م الى 1969م  بملكها الأول  و الأخير /  محمد إدريس السنوسي.. وأحد عشر وزارة ) حيث إستهدفت بحملات رهيبة من التشويه .. والتحريف على أيدي كتـّاب التاريخ ومحركي وسائل الإعلام .. وبأمر مباشر من  صّناع  القرار داخل منظومة ما عرف حينها  بمجلس  قيادة  الثورة .. ذلك المجلس  الذى  وضع  السلطة  التشريعية  فى يمينه .. والسلطة التنفيذية  فى  شماله.. والسلطة  القضائية  تحت  حذاءه .. خلال  حقبة  الحكم العسكري ( 1969م ـ وحتى يوم الناس هذا ) فكانت حملة شرسة وظالمة.. حملة من طرف واحد.. وفى حلبة صراع غير متكافئة.. بين  دولة  شمولية  دكتاتورية  تمتلك كل  شيء بإستثناء  الموضوعية  والإنصاف.. وبين شخصيات  مدنية  أنتزعت  منها  كافة  حقوقها  الدستورية  والإنسانية.. ولم يُترك  لها  خيار سوى الصمت والتقوقع على نفسها  مع ما  تمتلكه من  مخزون  هائل من المعلومات.. وكم غير يسير من الشهادات  التى  من  شأنها ـ لو  خرجت  أنذاك ـ أن  تعيد  الأمور  الى  نصابها.. لكون  بعض تلك الشخصيات جزء من الحالة وبعضها الآخر شاهد على  عصرها .. ونستطيع أن  نعزو  سبب تأخر الكتابة بشكل دقيق ومباشر لحالة الخوف التى خلفتها سياسة القمع التى إنتهجها قادة الإنقلاب..والتى توّجت بموجة  ما عرف  بالتصفية  الجسدية  لكل  من عارض  الإنقلاب  العسكري .. فإتجهت الى إرهابهم فى المنافي..بعد أن كانت قد قضت على من تم إعتقاله منهم عقب الإنقلاب بواسطة محكمة صورية هزلية عرفت  بمحكمة  الشعب  تحت إشراف  كل من عضوي  مجلس قيادة الثورة / بشير هوادي .. وعمرالمحيشي .. والشيخ / محمود صبحي .. برزت كأحد النقاط السوداء فى تاريخ  الحكم العسكرى .. إنتهت بالخصوم الى زنازين  مظلمة شكلت  بذاتها  إنتهاكا لأبسط معايير حقوق السجناء السياسيين .. تم تصفيتهم  فيها  بصورة  منظمة  خارج  نطاق  القضاء.. وبعيدا  عن  أعين  وسائل الإعلام.. وبقيت ثلة كتبت  لهم النجاة  من الهلوكوست ـ رغم محاولات  تصفيتهم بطرق شتى ولعل أحد  أمثلتها ما تعرض له الأستاذ / مصطفى بن حليم فى بيروت من  محاولة (1) خطف ـ سنحت لهم الظروف أخيرا بالكلام فكان من ثمار ذلك ما نحن بصدده فى هذه الجولة .

نهاية الصمت :

مع إختتام القرن الجديد عامه الثالث أطل علينا الأستاذ مصطفى  بن حليم  بكتابه  الثاني .." إنبعاث أمة.. وسقوط  دولة "  بعد أن  كان قد  زود  المكتبة  الليبية  فى  مطلع  سنة 1992م  بكتابه الأول " صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي " وهو عبارة عن سفر كبير يقع فى 847 صفحة لتشكل كتابات  بن حليم بذلك أحد النوافذ  القليلة لمتتبعي حركة المد والجزر  فى تاريخ المملكة .. وقد أثار كتابه الثاني الساحة السياسية تماما كما فعل  كتابه الأول " صفحات …" الذى  كان له على ما  يبدو الفضل فى كسر عقدة الصمت عند بعض  معاصري  العهد  الملكي .. فشاهدنا على  إثره ردودا فى الصحافة.. وسجالات ساخنة فى كواليس الوسط السياسي / الثقافي الليبي  خاصة فى المهجر .. بين مؤيد ومندد .. وبين قادح  و مادح .. ووصلت  تلك  الحالة  الى  ذروتها عندما طرح الأستاذ/ محمد عثمان الصيد .. ( رئيس الوزارة الخامسة  فى  العهد الملكي1960م ـ 1963م ) جزء من مذكراته فى جريدة الشرق  الأوسط ـ الأعداد ما  بين 24/1/1994م  الى 26/2/1994م فيما يزيد عن 14 حلقة.. وجمعها لاحقا ـ مع  بعض  الإضافات ـ فى  كتاب  بعنوان " محطات   من  تاريخ   ليبيا ".. تتبعها الأستاذ بن حليم  برد  من ثلاثة  حلقات  إبتداء  من  العدد 5571  بتاريخ  28/2/1994م.. ثم عاد الأستاذ / محمد عثمان الصيد  للتعقيب على تعقيب  بن حليم  فى  حلقتين  فى  العدد 5608 بتاريخ  6/4/1994م  .. والعدد 5610  بتاريخ  8/4/1994م ..  ودار  بينمها  حوار  غير مباشر كانت تنقصه المجاملة أحيانا !!.. والأدلة الموثقة أحيانا أخرى !!.. توقف  عند  دعوة الأستاذ محمد عثمان الصيد.. صديقه اللدود الأستاذ مصطفى بن حليم لعقد مناظرة يحضرها شهود من الطرفين.. من أجل إستجلاء الأمور  وتبيانها..( أنظر الشرق الاوسط ـ العدد5610 ـ بتاريخ 8/4/1994م) .. فى الوقت الذى أكتفى فيه السيد/ مصطفى بن حليم بإختتام ردوده بطلب ما وصفه بأنه يهم المؤرخ والمواطن.. وهو الإنجازات التى حققها  محمد  عثمان  الصيد  للوطن  والمواطن أثناء توليه رئاسة الوزراء.. ( أنظر الشرق الأوسط ـ العدد 5573 بتاريخ 2/3/1994م ) .

ورغم ذلك عاد الأستاذ  الصيد  وعّرج على  بعض ما ورد فى الكتاب  الأول  للأستاذ مصطفى بن حليم " صفحات مطوية.." بصورة مباشرة فى كتابه الذى  جمع  فيه  مذكراته تحت إسم " محطات من تاريخ ليبيا " فى الصفحات التالية : (66 ) ، ( 101) ،( 109) ، (112) ، (115) ،( 249).. مما حدى بالأستاذ / مصطفى بن حليم للعودة الى الإشارة الى "  مذكرات الصيد"  فى كتابه الأخير " انبعاث أمة " الذى نحن بصدده .. كما فى الصفحات ( 279 ـ 282 ـ 284 ـ 285) .

ودخل على خط النقاش العديد من الشخصيات  الليبية  ساهمت  فى إثراء  الموضوع على صفحات جريدة الشرق الوسط ..نذكر منها على سبيل المثال  مشاركة  سيف النصر عبدالجليل ( وزير دفاع سابق  )  فى  العدد 5594  بتاريخ  23/3/1994م  ، ومشاركة  عصام  عبدالمولى  لنقي  (  نجل عبدالمولى لنقي  وزير العمل  والشئون الإجتماعية سابقا )  بنفس العدد.. ومشاركة  ياسين  بوسيف ياسين ( وكيل وزارة السياحة سابقا ـ ونجل بوسيف ياسين وزير دفاع سابق ) بنفس العدد .. وهشام بن غلبون ( عضو مؤسس بالاتحاد الدستوري ) العدد 5610 بتاريخ 30/3/1994م .. وصولا الى مشاركة الشيخ محمد  بن غلبون التى دعمها بوثائق هامة أضافت الى الجدل  القائم  حينها نوعا من الموضوعية ( أنظر الشرق الأوسط الأعداد 5613 ـ 5615 ـ 5646 ).

وأسمحوا لي أن أقف عند  فقرات من مشاركة الأستاذ محمود الناكوع فى إثراء ذلك النقاش  لكونها جاءت من زاوية النقد العام  للمذكرات  مما  يجعلها  صالحة  للاستصحاب ـ حسب  وجهة نظري ـ حتى على جزء مما هو معروض هنا.

وقف الأستاذ محمود الناكوع عند عدة نقاط هامة ( أنظر الشرق الاوسط العدد 5578 بتاريخ 7/3/1994م )  أولها : أن المذكرات كان محورها الصراعات الشخصية  بين الأفراد و المجموعات أو الشلل وأعطت نوعا من القتامة للصورة.. ثانيها : إختلاط الشخصي بالموضوعي ، ومحاولة إبراز الجوانب المضيئة ، وتعمد إخفاء الجوانب  السيئة ، والجنوح فيها للشكوى من الماضي  مما يجعلها أقرب الى مرافعات  المحاكم .. ثالثها : عدم الدقة  فى  نقل الألفاظ  مما  يعود  بالضرورة  على فهم الحديث بالتشويش .

وأضيف من عندي رابعة : هي كون المذكرات  كشفت عن هوة  وتباين كبيرين بين الطبقة الحاكمة أنذاك والشعب .. هوة من حيث التناغم السياسي .. وتباين فى قوائم الأولويات .. وخامسة : لا يمكن لباحث أن يغض  الطرف  عنها  وهي  وجود  تقاطع  واضح  بين  الدولة  والقبيلة .. وبين السياسة والتجارة .. وشيء  يشبه  إستخدام  نفوذ  الأولى ( الدولة / السياسة )  لدعم  مسيرة  و مركز الثانية ( القبيلة / والتجارة ) (2) .

وسادسة :  خاصة  بالكتاب  الذى نحن  بصدده " إنبعاث أمة " وهي إحساسي  بأنه قد تداولت على الكتاب عدة أيد ـ كتابة  وتبويبا  وإستشارة ـ  تجد أثار ذلك  من  خلال  مراوحة  الكتاب بين المنهج التحليلي.. والمنهج  السردي  فى  كتابة  التاريخ .. وشيء من  الإضطراب  التبويب ، والتكرار فى السرد.. وسأذكر بعض من ذلك فى حينه.

وأيضا لم يخلو الأمر من همسات  وهمهمات  صدرت  عن  بعض  رؤساء  وزارات سابقين ـ أيام العهد الملكي ـ بحق ما كتب عن تلك  الحقبة  فى المهجر  من طرف بن حليم والصيد.. لا ندري هل تحولت الى شيء مكتوب على  الورق .. أم ترك  مصيرها لأمزجة  ناقلي التاريخ  الشفوي .. ولعل الوضعية الحسنة التى  يعيشها الأستاذ / عبدالحميد البكوش ـ كونه يقيم  فى المهجر ـ ترشحه ليكون أقرب رؤساء الوزراء السابقين  الى  إصدار كتاب  يفك  غموض  بعض المراحل .. ويضيف أبعاد ومحاور جديدة للمشهد العام.. وليست عنه ببعيد وضعية السيد/ عمر الشلحي ـ أحد مستشاري الملك سابقا ـ فنأمل أن نرى منهما ومن غيرهما الجديد المفيد .

وكذلك كتب بعض رموز تلك المرحلة وجهات نظرهم.. وصمت البعض.. وممن كتب مذكراته ولم تنشر الأستاذ / مصطفى بن عامر.. وقد حدثنا الأستاذ / محمود شمام (3) بأنه سأل الأستاذ بن عامر عن مذكراته فأخبره بأنه كتبها وسترى النور فى الوقت المناسب .. ولكن كما نعلم فقد  إنتقل الأستاذ بن عامر الى رحمة الله ولا ندري  مصير تلك المذكرات.. وطرق الأستاذ محمد بشير المغيربي فى كتابه " وثائق جمعية عمر المختار " أحد زوايا  تلك الحقبة.. وكذلك صدر كتاب عن الأستاذ / على الديب.. رئيس المجلس التشريعي لولاية طرابلس.. تحت عنوان "مؤامرة بن حليم على الديمقراطية فى ليبيا 1954م ".. أشار فيه الى وجود ما وصفه بالمغالطات فى مذكرات الأستاذ / بن حليم بشكل عام .. إلا أنه حدد مقصوده من كتابه.. بقوله[.. الذى يعنيني منها فى المقام الأول ما يتصل بالأزمة الدستورية الناجمة عن قضية حل المجلس الدستوري..] 13..وهي القضية التى تطرق إليها الأستاذ / بن حليم فى كتابه الأول " صفحات مطوية "  صفحة 53 ـ 57 .. وأشار إليها  بصورة عابرة فى كتابه " إنبعاث أمة… " صفحة 245.. فيما أهمل بصورة واضحة كل ماجاء فى كتاب الأستاذ على الديب .. ولم يرد عليه.. أو حتى يشير إليه فى مظانه.. ولعل صياغة الأستاذ علي الديب لكتابه بنبرة فيها حدة وخشونة زائدة.. شكلت أحد عوائق الرد عليه.. تلك الخشونة التى يبدو أنه إنتبه ا

المزيد





البريد الشخصي أضغط هنا