" مقابلة مع الأستاذ محمد بويصير "
الجزء الثاني

كان الجزء الأول من المقابلة الذى نشر فى 20 فبراير 2008 قد غطى الحدث ساعتها ـ والذى تمثل فى ذكرى إسقاط إسرائيل للطائرة الليبية قبل (35) عاماً فوق صحراء سيناء المصرية ـ ، أما فى الجزء الثاني الذى بين أيدينا اليوم فالحديث جرى على العموم وتطرق لقضايا ذات شأن ليبي محض ، ولعلنا نتجاوز الى جزء ثالث للحديث عن الإنتخابات الأمريكية ، وبالتبع العلاقات الليبية الأمريكية .. ولنعود الأن الى القسم الثاني من المقابلة .
س : خطاب العقيد القذافي فى 2 مارس الماضي .. حمل رسائل فى عدة إتجاهات .. وتباينت ردود الفعل والتحليلات حياله.. كيف قرأ محمد بويصير الخطاب ؟!! .. وهل حمل مؤشرات تغييرات أم تجاوز مرحلة متأزمة ؟!.
ـ نعم قرأت نص خطاب العقيد القذافي ، وبدون مبالغة أتصور أنه واحد من أهم خطاباته ، فهو يمثل وقفة جادة من قبل العقيد القذافى تجاه ما يجرى لليبيا و الليبيين تحت حكمه ، وهو لم يترك شكاً لأحد أنه يريد أن ينئى بنفسه ليس فقط عن نتائج "المرحلة العبثية " التى إستمرت لأكثر من ثلاثة عقود ولكن أيضا عن الممارسات التى شاهدتها ليبيا خلال تلك المرحلة .
أنا أنطلق من قناعتى التى أعلنتها من قبل بأن العقيدالقذافى هو مركز الثقل فى المعادلة السياسية الليبية ، وأنه الوحيد القادر على قيادة البلاد للخروج من المأزق الذى إنحشرت فيه ، كما لا أرى ما يجبره على أن يربط نفسه للأبد بفشل التجربة و شلل النظام .
النظام الذى قاد الى هذا الفشل هو نظام توتاليتارى بإمتياز تتوافر فيه الشروط الأربعة التى حددها "فردريك" منذ عام 1954 وهى : سيطرة إيديولوجية وحيدة ، إحتكار أهل هذه الإيديولوجية للسلطة ، نظام أمنى لحماية النخبة الحاكمة لا القانون ، سيطرة هذه النخبة على كافة مناحي الحياة فى المجتمع ، والأمر لا يحتاج لمتخصص ليثبت توافر شروط "فردريك" فى النظام السائد فى ليبيا. من طبيعة النظام التوتاليتارى أن يصل الى مرحلة يعجز فيها عن الإستجابة لمطالب الناس حتى الأساسية منها ، وهنا يبدأ المجتمع فى التململ من خلال إشارات هى أيضا لا يمكن ان تخطئها العين فى ليبيا ، وما صرخات فتحى الجهمى ، و أحداث بنغازى ، ومحاولة ادريس بوفايد وغيرها إلا جزء حاد من هذه الإشارات .
هنا.. يحدثنا التاريخ عن اتجاهين للأحداث ..
فإما أن تتعامل القيادة السياسية بإقتدار و جرأة مع الواقع فتبدأ بمنهجية متدرجة فى تفكيك النظام التوتاليتارى وإحلال مؤسسات ذات قبول شعبي محل مؤسساته المتآكلة مع ما يتطلبه ذلك من إرساء مناخ يسمح بتنشيط هذه المؤسسات ، مناخ حرية التعبير و التحصين ضد التنكيل و القمع و القبول بالآخر ، لينطلق المجتمع من خلال الحيوية التى يحفزها هذا المناخ ويخرج من المأزق المحشور فيه.. وإما أن يسود الإرتباك و التردد تصرفات تلك القيادة ، فيتسبب التسويف فى تحول إشارات التململ الى أحداث عنف ، حيث يريد المجتمع إزاحة النظام و قد صار عائق فى طريق تقدمه ، و ليدخل المجتمع الى مرحلة اخرى من الفوضى وعدم الإتزان.
لا يمكن أن اقرأ الخطاب إلا بكونه إستجابة واضحة من قبل العقيد القذافى لإشارات الشارع و نقطة بداية فى تفكيك النظام التوتاليتارى القائم .. فهو من أقامه وهو من يزيله.. هذه حتمية وهو قادر عليها . أعتقد أن دورنا المتواضع هنا هو دعم هذا التوجه الرامى لتفكيك النظام التوتاليتارى، سواء من خلال الحوار أو حتى الجهد ، على قاعدة القبول بالمرحلية كأساس للإنتقال ، مع التمسك بالغاية النهائية المتمثلة فى بناء ليبيا الديمقراطية الحديثة ، والمطالبة الدائمة بالإسراع فى الخطى والجرأة فى ممارسة النقد .
س: رشحت مع بداية العام 2008 ( فبراير ) عدة مستجدات منها .. تدشين مركز الديمقراطية .. والإعلان عن جمعية العدالة لحقوق الإنسان .. أستاذ محمد هل تعتبر ذلك ضمن السنتيمترات التى قلت بأنك تقبلها على طريق التحول .. أم هي أقل من ذلك .. أم ماذا ؟!.
ـ ليس من العدل محاولة الحكم على هذه المؤسسات الأن ، فهى لازالت فى طور جنيني ، ولكن مجرد الإعلان عنها يعني الشعور بضرورة وجودها ، أما أداءها فيعتمد على مدى ما سيقدمه أعضاؤها من جهد و تضحيات ، عليهم أن يتذكروا أن العمل الجاد فى هذا المضمار ليس نزهه ، وأنصح من يعتقد ذلك بأن ينسحب ، فمؤسسات كهذه لابد وأن تكافح من أجل أهدافها المعلنة و إلا صارت واجهات دون محتوى . إن الليبيين سيحاسبونهم بكل شدة فى المستقبل عما أعلنوه من أهداف فى وثائقهم التأسيسية ، حيث سنسأل "مركز الديمقراطية" عن دوره فى توسيع المشاركة فى القرار ومحاربة الإستبداد ، وعن موقفه من القوانين المقيدة للحريات ، كما سنسأل "جمعية العدالة لحقوق الإنسان" عن كل سجين لأسباب سياسية و ماذا فعلت من أجله .
فى نفس الوقت الذى لابد أن ندعم جهودهم دون حدود .
عندما أتحدث عن سنتيمترات نقطعها .. فلابد أن أضيف أنها ستكون مخضبة بالعرق دائماً .. وبالألام فى بعض الأحيان .. أتمنى ممن أسس هذه المؤسسات أو إنضم إليها أن يكون واعياً لذلك .
س : طيب .. ليبيا ومشوار الإصلاح .. لا أريد أن أقول أين وصل فذلك مشوار له أدوات قياس أخرى .. ولكنني أتساءل : فى تقديرك أين يتجه قطاره إن جاز التعبير ؟!.
ـ دعنى أولا أصحح اللفظ ، فلفظ "الإصلاح" يعنى Repair وهى تعديل أو إستبدال لجزء من منظومة ما لإعادتها لدورها الوظيفى ، وهوتعبير ناقص هنا ، فبالتأكيد إننا بصدد ما هو أشمل من ذلك ، نحن بصدد اعادة تشكيل الواقع. إن "الإصلاح" ترجمة مخادعة لكلمة Reform الإنجليزية التى تحمل مفاهيم أوسع وأعمق ، فهى تعني التغيير من واقع سيء الى وضع أفضل ، بكل ما يعنيه ذلك من إعادة صياغة المضامين المادية و القيمية للمجتمع ، بأدوات لا تصل الى حد الثورة ، ولكنها قد تتخطاها فى النتائج .. لذا دعنا نسميه التغيير .
التغيير فى ليبيا ـ يا أستاذ عيسى ـ قد بدأ فعلا ، قد لا أستطيع تحديد نقطة بداية ، ولكننى أستطيع أن أعدد لك مظاهره ، فلابد أن نتفق أن القمع لم يعد ظاهرة بقدر ما هو حالات نريد لها أيضا أن تختفي من الخارطة ، كما يمكن أن نلاحظ ـ بدون عناء ـ إتساع فى مساحة التعبير مع ملاحظة أن البلاد لازالت تفتقد للتشريع الذى يحمي تلك المساحة ، قد نكون فى السنتيمترات الأولى .. و لكن الرحلة بالتأكيد قد بدأت .
وعودة من جديد لقراءة التاريخ ،، نجد أن التغييرات المماثلة تبدأ بطيئة ثم تتسارع ، لأنها فى المراحل الأولى تعاني من ضعف القوى الدافعة لها فى مقابل شدة المقاومة من قبل مؤسسات و شخوص النظام التوتاليتارى ، ومع كل سنتيمتر تتشجع وتزداد القوى الدافعة ، بينما تفقد مؤسسات وشخوص النظام التوتاليتارى من عزم مقاومتها فتتسارع وتيرة التغيير .. لابد أنك شاهدت لعبة شد الحبل من قبل .. دائماً تبدأ الأمور بطيئة ثم تتسارع لتنتهي الى إنجراف سريع يؤدي لإنهيار مقاومة الطرف الخاسر ، الذى هو فى حالتنا الليبية مؤسسات و شخوص النظام التوتاليتارى .
إن خروج أسماء كانت عناوين للتوتاليتارية فى ليبيا من دائرة الضوء، لا يمكن إلا أن يكون تعبيراً واضحاً عن أن "التغيير" قد بدأ يجرف الطرف الخاسر .
أما عن أين يتجه ؟ ، فأتصور أن هذه السنتيمترات التى تقطع ستقود الليبيين الى مساحة مشتركة يستطيعون فيها أن يختلفوا دون أن يتسبب ذلك فى العداء بينهم ، إنها المساحة الضرورية لإثراء الحوار بين الأطراف الإجتماعية و السياسية المختلفة وتحويل


















































