" من يحكم ( أم ) كيف يحكم ؟! "
ورقــة على أعتــاب إنعطـاف الحــالة الليبية
كتبت منذ أكثر من ثلاث سنوات عن ملامح العلاقة بين الثقافة والسياسة .. وكان من بين ما أوردته كخطوط تمايز بين المثقف والسياسي .. أو كبوابة لإستشراف المستقبل قبل أن تداهمنا خطوبه ونتحول الى خانة " ردة الفعل " .. ضرورة تسليط الضوء ـ بشكل إستباقي ـ على إستحقاقات مساري معادلة الحكم : " من يحكم ؟! " و" كيف يحكم ؟! ".. مع التنويه ( أثناء تفكيك " الفكرة " ) الى ضرورة ملاحظة أن المنطق السياسي يهتم ـ أثناء تصفح مدونة شئون الحكم ـ بمسار " من يحكم ؟!".. أما المنطق الثقافي فينجذب أكثر نحو مسار " كيف يحكم ؟!" .. طرحت الفكرة يومئذ ( واليوم ) من أجل التعرف على الطبيعة الوظيفية لكل منهما كي لا نخلط الأوراق ككل مرة .. وكي لا تتحول الحوارات الوطنية الى حصة " محفوظات " ! .
على أي حال … يمكن القول بأن السياسي من طبيعته وطبيعة المسار الوظيفي لمهنته ـ أو شغله الشاغل ـ أن لا يرضى بالخصم مهما كانت طبيعة هذا الخصم .. وهذا ليس بدعا من القول أو قدحاً فى المنقول .. فكل معارضات العالم تعمل ليلاً نهاراً على إزاحة الخصوم من أجل أن تحل محلهم .. لتتحول هي بعد ذلك الى مقاعد الحكم ويتراجع الخصوم الى مقاعد المعارضة .. لنعاود مشاهدة نفس فصول الحدث مع تغير فى الأدوار .. طبعاً دون أن نتوقع حصول مشاهد من ملحمة داحس والغبراء .. ولعل هذا أحد أهم الفروق بين صور أنظمة الحكم المقترحة .
وفى المقابل نجد المثقف يهتم بالدرجة الأولى بإستحقاق " كيف يحكم ؟! " .. كي يطمئن الى الأسس التى ستدار عليها العملية السياسية من جهة .. ومن جهة أخرى كي يسهم فى ضبط مصلحة الوطن على معيار ثابت بعيد عن الشخصنة .. معيار يأوي الى الركن الشديد ( = القيم والمبادئ المؤسسة للدولة ).. كون الدولة أثناء حركة التجاذب السياسي ثابتة ـ او يفترض أنها كذلك ـ .. أما الأجندات السياسية فمتغيرة بتغير الأشخاص .. أو الأيديولوجيات المتناوبة على سدة الحكم .. ولعله من المهم التذكير بأننا نتحدث ـ هنا تحديداً ـ عن الأليات .. وليس عن المضامين .
وإذا كانت مسارات بوزن " من يحكم " و " كيف يحكم " قد تقع على قدم المساواة من حيث الأهمية .. فهي بكل تأكيد ستتفاوت عند الحديث عن سلم الأولويات .. ويتأثر هذا التفاوت ـ صعوداً وهبوطا ـ بعدة عوامل ربما أهمها تأثير عنصري " الوعي والتجربة " .. وبما أن الحالة الليبية تقع ضمن حزام تأثير الثقافة الدينية والقبلية .. وهما عاملان أفرزا ثقافة " الخلاص الفردي" و " الفرد المُخلـّص " .. وهي ـ على كل حال ـ ثقافة طاردة لكل ما يحتاجه العمل على تعميق فلسفة " من يحكم ".. خاصة فى منطقة نتفق على أن مناخ التصحر السياسي يطبق عليها.. مما أضاف المزيد من المعوقات على هذا المسار .. فبالمشاهدة ثبت أن ثقافة الموروث القبلي والديني ( التقليدي) درجت على إفراز ما يربك بسط ثقافة " من يحكم " بشكلها النموذجي أو المقبول حتى .. كونهما يقدمان بشكل واضح وجلي " الولاء " على " الكفاءة " .. ويجنحان نحو تحشيد الناس بعيدا عن ثقافة " الحياد الإيجابي " أحد أهم مقومات إدارة تنافسية " من يحكم " .. مما يجعل مسار " من يحكم " متعثراً ليس بسبب السلطة فقط بل بسبب الشارع ونخبه هذه المرة .. وبتأثير مباشر من عنصري الموروث القبلي والديني .. وهما ما لا يمكن تجاوزه بسهولة فى الحالة الليبية .
وعليه فربما سيكون تقديم مسار " كيف يحكم " على مسار " من يحكم " له ما يشفعه .. دون الإنزلاق نحو سياسة تبرير ما لا يبرر .. أو تسويغ الدكتاتورية .. أو إهمال إستحقاقات المسار الثاني .
فعندما نكون على مسافة ضيقة من " العجز " فى ضبط حركة " من يحكم " .. سواء بسبب إشكاليات فتاوى دينية مدمرة .. أو بسبب عقلية القبيلة الخانقة .. أو لندرة التجربة وشح المثال .. وما تؤدي اليه هذه الخطايا مجتمعة من عزوف لدى الشارع عن مؤازرة أي اجندة تبحث فى تطوير مسار " من يحكم " وتفقِده البعد الشعبي الذي يحتاجه كي يتقدم على سلم الأولويات .
أقول عندما يكون ذلك كذلك يبدو لي أنه سيكون من المنطقي / والواقعي تقديم مسار " كيف يحكم " .. من أجل التقليل


















































